اليس
31 - 07 - 08, 11:32 PM
نظرت فى عين إبنها البالغ من العمر ثلاثة سنوات ، غرقت فيها . وأبحرت فى بحور الزمن بلا قارب ولا مجداف ...فقط ذكرياتها ! كانت الآلام لا حدود لها ، وصرخاتها كادت ترج الجدران ، وزوجها بالخارج يسير ذهاباً وإياباً فى أرجاء الصالة فتبسمت لتخيلها مشهده وصرخت فذابت الابتسامة وما منعها أن تلعن الحمل وآلامه سوى أنها أنتظرته كثيراً ؛ ابنها الصغير ...الذى أحبته من قبل وجوده وصلت لله كثيراً لأجل أن يرزقها به .
أيقظتها قبلة على خدها من طفلها ، ما أجمل الذكريات وما أكثر جمالاً منها هو الواقع حين يكون جميلاً هَكَذَا ، مشعاً بالأمل من وجه أبنها ومحملاً بالحياة الخارج من عينيه . ضمته إلى حضنها فأحست بالراحة .هذا الإحساس الذى يخرس الكلمات ، كاذب من حاول وصفه . كاذب من حاول أن يتخيله دون أن يشعر به ، بادلته بقبلة منها وقالت له وهى تداعب خصلات شعره الأسود الداكن :
-كم أحبك يا صغيرى
_كم أحبك يا ماما !
قالها وجحظت عينيها وسعلت سعالاً شديداً وخرج مع سعالها الكثير من الدماء وما سقطت الدماء سوى على صغيرها ، فانتابته الرعب والزعر والصرخات التى جعلت الجريدة تتساقط من يد والده الجالس بجوارهم فرفع رأسه فكان أول ما وقعت عليه عينيه وجه الطفل الملثم بالدماء وزوجته المغمى عليها .
لم يمضى أسبوع حتى كان الليل والسواد والعزاء ، أناس يأتون ويرحلون والأب واقف ، لو يعلمون أن قدميه تحمله بصعوبة . لو يعلمون فيم يفكر وكيف يشعر ، لو يعلمون ان حديث الأطباء معه حين قالوا : زوجتك تحتضر ، وهذا مرض خطير لا علاج له .
لا يزال يدور فى عقله ، يتكرر ..يتكرر
زوجتك تحتضر .
يا لقسوتهم كيف قالوها ! وكيف قبض الموت روحها . أما كان يعلم أنها لم تسعد سوى خمس سنوات ، أما كان يعلم أن سعادتها هى عمر أبنه . سكنت الأفكار عينيه فبرقت . وظل يردد بداخله : أبنه ، هل كان مولده شؤم ..هل كان مولده شؤم ..هل كان ؟!
************************
أحياناً تأتى السنين فتنقش بداخل أروحنا وتكتب فوق جروحنا وما تمحو السنين القادة شيئاً مما كتبته الأولى ...بل تزيد من الآلام ،وتتلاطم الأمواج فوق الصخور وتظل متصنعة الصلابة . ولكن الحقيقة أنها تتفتت وإن لم نرى ذلك . ما كان رحيلهم إلى الإسكندرية يغير شيئ بل إن مشهد البحر فى عين الأب يذكره كل يوم بكونه يغرق بل أنه يرى من شرفته صفحات المياه تعكس حزنه .لم يتغير شيء سوى ظهور الشيب فى شعر الأب ولكن هذا أفضل قليلاً من وجوده فى شقة المرحومة . وكيف يوجد وكل خطوة يخطوها يراها فيها . لم تكن طيف ولم يكن يهزى فالحقيقة إنها لم تشيء الرحيل وإرادتها للبقاء غلبت العدم فوُجدت !
آهـ عاد من أفكاره الى أفكاره ، من قال إن وجوده هناك كان أفضل ، بل ربما لو ظل هناك لجن رفع أحد حاجبيه وهو يفكر ؛ ترى هل لم يجن بعد ! نهض باحثاً عن قداحته لإشعال لفافته ، ظل يلتف حوله لعن القداحة المختبئة منه ، وجد يد تمتد إليه بها ، رفع عينيه فوجده والده أخذها منه وجلس المسن على الكرسى المقابل فى الشرفة وقال الجد بألم :
-أفضل العرافات والمشعوذين ما كانو يتنبئوا بأنك ستدخن يوما ما!
-هذا لأنهم عرافات ومشعوذين يا أبى
-لم تفقد دعابتك يوماً ولكنها أصبحت تخرج منك مريرة
-لا تفتح الموضوع يا أبى ، قل لى أين الصغير ؟
-نائم ، كما أنه كبر على أن تدعوه بالصغير ، وأنت الذى تغير الموضوع الآن ..أخبرنى لم لا تتزوج ؟
-ألم أقل لك لا تفتح الموضوع يا أبى ، أنا أحيا لتربية الصغير
-عن أى تربية تتحدث ، أنت قد تعقده نفسياً ..لماذا تعامله بهذا السوء ؟!
-لن أتزوج يا أبى !
-لا تغير الموضوع ،وقل لى لماذا تعامله بهذا السوء ؟
أستمر الصمت وتغيرت ملامح الجد إلى الحزن المرير ودوائر الدخان الخارجة من سجائر أبنه أتعبت صدره فنهض مستنداً على عصاه وسار ببطيء ، حتى وصل إلى غرفة نوم حفيده وجلس بجواره على الفراش ووضع يده على رأسه وبحنان السنين الذى لم ينضب قال بداخله : إن لم تكن أنت منبع للحنان لولدك يا بنى فأنا الحنان !
وقف الأب خارج الغرفة فكلمات والده من معاملته السيئة لأبنه أزعجته ، ربما يكون بالفعل أساء معاملة أبنه وربما ذلك لكونه لم يتجاوز صدمة وفاة زوجته ولكن قد مرت أكثر من عشر سنوات وكارثة لو أسرته الصدمة أكثر فربما دمر ابنه ! .
بالفعل أساء معاملة الصغير كثيراً ، عشر سنوات من المعاملة السيئة ، بدأ يخاطب نفسه ، وتذكر حديثه مع زوجته حين قالت له : عدنى أن تكون أب صالح . أين هو من وعده لها الآن ! ومن قال إن مجرد موت زوجته يجعل من أبنه شؤماً !
ترك أفكاره وأنصت السمع لحديث الجد مع ولده المستيقظ :
- صباح الخير
-صباح الخير يا جدو
-أنهض لتلقى التحية على والدك
أمتعض الحفيد وقال :
- وإن كان لا يريد ذلك
-لا يحزنك معاملة والدك لك فهو يحبك وإن لم يظهر ذلك منه ...هى قم وكن كما عهدت حفيدى المهذب
أبتسم الحفيد وقال :
-حسنا يا جدو ، سأفعل
-كم أحبك يا حفيدى الصغير
-وأنا أحبك أكثر !
نشعر أحياناً عند أحاديث معينة أنها لها دلالة خاصة ، ربما لم ندرك ذلك فى حينها ولكن مع مضى الوقت تتسع الرؤية ويظهر لنا ما خفى عنا ، وهذا ما شعره الأب حين كان يحادثه الجد قائلاً :
- لقد علمت أنك تسمع حديثنا اليوم
- وكيف علمت ذلك ؟
- كما علمت فى كل مرة تسمع فيها حديثى مع ولدك
قال الأب بابتسامة :
- هذا أبى
- وأنا أريد أن أقول مثلك ؛هذا أبنى ، فهل لك أن تحقق أمنيتى
- نعم يا أبى
- لماذا تعامله بهذا السوء ؟
- سأخبرك يا أبى ، ربما كنت لم أستطع أن اخرج من صدمة رحيل زوجتى بسهولة ، لا أعلم كيف فكرت فى ذلك ..ولكننى ظننت أن مجيء الصغير للدنيا كان شؤم !
- أجننت ...كيف تفكر هكذا ؟ ،هذا قدر الله ، ابنك له إبتسامة تنير الدنيا بأكملها ، ما الذى تقوله !
- لا أعلم يا أبى كيف فكرت كذلك ، ولكنى حين رأيت وجه والدماء وأمه مغمى عليها كان الطفل بشعاً كالشيطان !
-فقط هى الصدمة ، العقل دائما يبحث عن أسباب والحكمة ما هى إلا معرفة أسباب الشيء وأنت بحثت عن سبب لرحيلها فلم تجد فربطت السبب بالطفل ...كم كنت قاسى أكثر من عشر سنوات !
- نعم أدرك الآن كم كنت مخطئاً !
أغمض عينيه فى ألم تلك المرة لم يستطع أن يقف ، لم يستطع أن يتحمل العزاء وترك أبنه يفعل ذلك ، ولم يتحمل الليل . رحيل الجد وسؤال كانت إجابته خاطئة منذ أسبوع فى آخر حوار لهم يطرق عقله باستمرار : من كان المخطئ الآن يا أبى ..من كان المخطئ الآن أيها الجد !
****************************
- لا أريدك أن تخدمنى
- وأنا مثلك ولكن مماتك لن يسعدنى رغم أن حياتك لا تسعدنى كذلك !
جلس الشاب فى غرفته المغلقة ، أخرج لفافة تبغ وأشعلها ، سمع سباب الأب يتصاعد ، لعنه الأبن بداخله ، وأعلى من صوت الأغانى أكثر كى لا يسمع صوته ، يأس الشاب من والده الأحمق . ألا يرى أن عمره أصبح تسعة عشر عاماً ، يا ترى منذ متى وهو يعامله بذلك السوء! كان أكثر عمره الطفل المهذب و الشاب المطيع ، وكأن أخلاقه المهذبه تزعج والده ، ما هذا الجنون . صرخ بغضب :
-فلتهنأ أيها الأحمق فى الجحيم !
مضت الأيام والحياة تسوء فى المنزل فالعلنات تستمر بين الأب المريض الراقد على الفراش وبين أبنه الشاب ، يقول الأب إنه لعنة فيضحك الشاب ويقول ذلك تفكير شخص مجنون ! وكل شمس تشرق على المنزل تأتى بالليل ، ولولا خروجه كل يوم لذهابه للجامعة لربما ظن الشاب أن مصيره كمصير والده المجنون !
والجامعة ، ما أجمل الجامعة ، لم تكن جميلة يوماً فى حياته حتى جاء اليوم التى تعرف فيه على فتاة ، كانت محاضرة ككل المحاضرات وكان جالس فى الركن الأخير كعادته ورأها تدخل من الباب وتتقدم وقرأ فى عينيها أنها تقصده هو ، وصدقت قراءته ولم يكن يظن أنه بارع فى قراءة العيون من قبل ، وجلست بجواره وبدأت فى الحديث معه ، سألته عما فاتها من محاضرات والحقيقة إن لم يكن يركز فى حديثها ، فقط كان ينظر فى عينيها ، ولم يفكر لم سألته هو من دون الجميع فهذا سؤال يعلم إجابته .
لم يتصور من قبل أن الحياة ربما تتحسن بهذا الشكل .وكان كل يوم يأتى فيه إلى الجامعة يأتى فقط لأجل لقائها ، لم يتحدثوا فى شيء ، كان أغلب جلوسهم سوياً صامتاً . يتبادلون النظرات ، يضيع فى عينيها الواسعتين العسليتين وكأنها نهر من عسل ، يأتى بعض الهواء المحمل بالنسيم ودائما يأتى الهواء فى موعده فتتطاير خصلات شعرها الذهبي فيزيدها جمالاً . لم يتحدثوا فى شيء .
لم يردوا أن يقتلوا اللحظات الحلوة بالحديث لم يردوا أن يقتلوا الصمت بالكلمات . تنتهى المحاضرات فيعود كل منهم إلى منزله يتبادلون المكالمات بين الحين والأخر يلاحظ والده السعادة المشرقة فى عينيه .فيلعنه لسعادته . فيبتسم الشاب !
لم تصبح لعنات الأب وصرخاته وسبابه لها أهمية فى حياته فمن دخل مملكة قوس قزح بعدما حمله بساط علاء الدين يكون من الغباء الاهتمام بإشياء غير مهمة ، تمضى الأيام والسعادة تظهر أكثر فى عينيه والراحة تسكن وجدانه أكثر والعلاقة بينه وبين الفتاة تقوى والغريب أن ذلك يزعج الأب المريض ، ويتساءل الأبن : أسعادتى تزعجه لهذا الحد ؟!
حاول أن يوطد علاقته بوالده بعدما حكى لصديقته عن حياته ، أخبرته أنه عليه بالرفق وإن لم يفعل معه والده المثل ، لكلامها عذوبة تحمله على تحمل المشاق ، قام بالفعل بمحاولة تحسين علاقته بوالده لم يشيء ذلك والده فى البداية بل حاول المقاومة مع مضى الأحاديث أكثر حول الفتاة وعن كونه بدأ يعجب بها بدأ يظهر الاهتمام على وجه الأب ، الاهتمام وليس السعادة !
جلس الشاب فى الكافية ينتظر الفتاة ، وأمامه على المنضدة باقة ورد ، هذا اللقاء مختلف ، هذا اللقاء سيجعل من كل اللقاءات مختلفة ، اليوم سيعترف للفتاة بحبه لها ويكاد يجزم بأنها تبادله ذات العشق ، وجد الفتاة تقترب إليه ، نظر إليه باقة الورد التى أتى بها وتسائل كيف يمكن تقديم الورد لأصل الورد ! اقتربت أكثر حتى كادت على بعد خطوتين منه ، شرد فى لحظة فى الحديث الذى دار بينه وبين والده حين أخبره أنه يحب تلك الفتاة وأنه اليوم سيخبرها بذلك تذكر توسلاته له ألا يفعل ذلك وتذكر صرخاته فيه حين قال : أنت تكره سعادتى يا أبى ..أنت تكره سعادتى يا أبى ..هذا جنون !
دخل الأبن باب الشقة وما أن سمع والده باب الشقة يفتح حتى صرخ :أقلت لها أنك تحبها .. أقلت لها أنك تحبها ؟
تجاوز الأبن نداء والده كما تجاوز غرفته ودخل غرفته وأغلق الباب وجلس على مقعده واضعاً قدم فوق الأخرى على المكتب وألقى علبه سجائره معلناً أنه لا تدخين بعد اليوم وظل يدندن مع إحدى أغاني كاظم
(لم يحدث أبداً أن أحببت بهذا العمق ..أنى سافرت مع أمرآة لبلاد الشوق ...وضربت شواطئ عينيها كالرعد الغاضب أو كالبرق فأنا فى الماضى لم أعشق بل كنت أمثل دور العشق )
ومضى أسبوع وذات المجلس ووصول خبر وفاة الفتاة وسحابات الدخان تملأ الغرفة والشاب يبكى بحرقة لا مثيل لها ، والأب ينهض بصعوبة من فراشه حتى يدخل غرفة ابنه ويقول له بسخرية مريرة مشجوبة بالحزن :
- ماتت اليس كذلك؟
برقت عين الشاب وحاول تجفيف الدموع وقال :
-كيف علمت وماذا تقصد ؟
-ألم أقل لك أنك لعنة !
-أنت مجنون ..أذهب إلى فراشك عليك اللعنة !
تعالت ضحكات الأب وقال :
- أنت السبب فى موت والدتك !
-كيف أيها الأحمق ..!
-أنت السبب فى موت جدك ..أنت السبب فى موت الفتاة !كلما أحببت أحد يموت ..كلما كنت تحب أحد وتخبره بذلك لا يمر أسبوع حتى يحتضنه القبر !
-ذلك جنون ..ذلك جنون
تعالت ضحكات الأب وقال :
-ذلك الجنون منتهى العقل !
برقت عين الشاب وصمت وفكر فوجد فى ذلك منطقية فقال فى حسرة :
-ليتنى أحبك !
ضحك الأب بجنون وقال:
-ليته كان بيدك ! ولكن دعك منى فأنت عليك الآن ما هو أصعب من ذلك .. أنت الآن عليك أن تكره نفسك فلو أحببتها لكتبت شهادة وفاتك بنفسك ...وسأدفنك أيها الشيطان ..وسأدفنك حينها !
مر أسبوع ، وفراش عليه جسد الشاب ...ولكنه جسد بارد ...
والأب يسير بصعوبة يستند على الجدران ينادى على ابنه ، يدخل غرفته فيجده لا يتنفس ، فتتعالى ضحكات الأب المجنون
ويظل يردد كلامه وهو يتجول فى أرجاء الشقة :
-كره نفسه ..حباً فى نفسه ،
كره نفسه.. حباً فى نفسه
ففارقته الحياة !
أيقظتها قبلة على خدها من طفلها ، ما أجمل الذكريات وما أكثر جمالاً منها هو الواقع حين يكون جميلاً هَكَذَا ، مشعاً بالأمل من وجه أبنها ومحملاً بالحياة الخارج من عينيه . ضمته إلى حضنها فأحست بالراحة .هذا الإحساس الذى يخرس الكلمات ، كاذب من حاول وصفه . كاذب من حاول أن يتخيله دون أن يشعر به ، بادلته بقبلة منها وقالت له وهى تداعب خصلات شعره الأسود الداكن :
-كم أحبك يا صغيرى
_كم أحبك يا ماما !
قالها وجحظت عينيها وسعلت سعالاً شديداً وخرج مع سعالها الكثير من الدماء وما سقطت الدماء سوى على صغيرها ، فانتابته الرعب والزعر والصرخات التى جعلت الجريدة تتساقط من يد والده الجالس بجوارهم فرفع رأسه فكان أول ما وقعت عليه عينيه وجه الطفل الملثم بالدماء وزوجته المغمى عليها .
لم يمضى أسبوع حتى كان الليل والسواد والعزاء ، أناس يأتون ويرحلون والأب واقف ، لو يعلمون أن قدميه تحمله بصعوبة . لو يعلمون فيم يفكر وكيف يشعر ، لو يعلمون ان حديث الأطباء معه حين قالوا : زوجتك تحتضر ، وهذا مرض خطير لا علاج له .
لا يزال يدور فى عقله ، يتكرر ..يتكرر
زوجتك تحتضر .
يا لقسوتهم كيف قالوها ! وكيف قبض الموت روحها . أما كان يعلم أنها لم تسعد سوى خمس سنوات ، أما كان يعلم أن سعادتها هى عمر أبنه . سكنت الأفكار عينيه فبرقت . وظل يردد بداخله : أبنه ، هل كان مولده شؤم ..هل كان مولده شؤم ..هل كان ؟!
************************
أحياناً تأتى السنين فتنقش بداخل أروحنا وتكتب فوق جروحنا وما تمحو السنين القادة شيئاً مما كتبته الأولى ...بل تزيد من الآلام ،وتتلاطم الأمواج فوق الصخور وتظل متصنعة الصلابة . ولكن الحقيقة أنها تتفتت وإن لم نرى ذلك . ما كان رحيلهم إلى الإسكندرية يغير شيئ بل إن مشهد البحر فى عين الأب يذكره كل يوم بكونه يغرق بل أنه يرى من شرفته صفحات المياه تعكس حزنه .لم يتغير شيء سوى ظهور الشيب فى شعر الأب ولكن هذا أفضل قليلاً من وجوده فى شقة المرحومة . وكيف يوجد وكل خطوة يخطوها يراها فيها . لم تكن طيف ولم يكن يهزى فالحقيقة إنها لم تشيء الرحيل وإرادتها للبقاء غلبت العدم فوُجدت !
آهـ عاد من أفكاره الى أفكاره ، من قال إن وجوده هناك كان أفضل ، بل ربما لو ظل هناك لجن رفع أحد حاجبيه وهو يفكر ؛ ترى هل لم يجن بعد ! نهض باحثاً عن قداحته لإشعال لفافته ، ظل يلتف حوله لعن القداحة المختبئة منه ، وجد يد تمتد إليه بها ، رفع عينيه فوجده والده أخذها منه وجلس المسن على الكرسى المقابل فى الشرفة وقال الجد بألم :
-أفضل العرافات والمشعوذين ما كانو يتنبئوا بأنك ستدخن يوما ما!
-هذا لأنهم عرافات ومشعوذين يا أبى
-لم تفقد دعابتك يوماً ولكنها أصبحت تخرج منك مريرة
-لا تفتح الموضوع يا أبى ، قل لى أين الصغير ؟
-نائم ، كما أنه كبر على أن تدعوه بالصغير ، وأنت الذى تغير الموضوع الآن ..أخبرنى لم لا تتزوج ؟
-ألم أقل لك لا تفتح الموضوع يا أبى ، أنا أحيا لتربية الصغير
-عن أى تربية تتحدث ، أنت قد تعقده نفسياً ..لماذا تعامله بهذا السوء ؟!
-لن أتزوج يا أبى !
-لا تغير الموضوع ،وقل لى لماذا تعامله بهذا السوء ؟
أستمر الصمت وتغيرت ملامح الجد إلى الحزن المرير ودوائر الدخان الخارجة من سجائر أبنه أتعبت صدره فنهض مستنداً على عصاه وسار ببطيء ، حتى وصل إلى غرفة نوم حفيده وجلس بجواره على الفراش ووضع يده على رأسه وبحنان السنين الذى لم ينضب قال بداخله : إن لم تكن أنت منبع للحنان لولدك يا بنى فأنا الحنان !
وقف الأب خارج الغرفة فكلمات والده من معاملته السيئة لأبنه أزعجته ، ربما يكون بالفعل أساء معاملة أبنه وربما ذلك لكونه لم يتجاوز صدمة وفاة زوجته ولكن قد مرت أكثر من عشر سنوات وكارثة لو أسرته الصدمة أكثر فربما دمر ابنه ! .
بالفعل أساء معاملة الصغير كثيراً ، عشر سنوات من المعاملة السيئة ، بدأ يخاطب نفسه ، وتذكر حديثه مع زوجته حين قالت له : عدنى أن تكون أب صالح . أين هو من وعده لها الآن ! ومن قال إن مجرد موت زوجته يجعل من أبنه شؤماً !
ترك أفكاره وأنصت السمع لحديث الجد مع ولده المستيقظ :
- صباح الخير
-صباح الخير يا جدو
-أنهض لتلقى التحية على والدك
أمتعض الحفيد وقال :
- وإن كان لا يريد ذلك
-لا يحزنك معاملة والدك لك فهو يحبك وإن لم يظهر ذلك منه ...هى قم وكن كما عهدت حفيدى المهذب
أبتسم الحفيد وقال :
-حسنا يا جدو ، سأفعل
-كم أحبك يا حفيدى الصغير
-وأنا أحبك أكثر !
نشعر أحياناً عند أحاديث معينة أنها لها دلالة خاصة ، ربما لم ندرك ذلك فى حينها ولكن مع مضى الوقت تتسع الرؤية ويظهر لنا ما خفى عنا ، وهذا ما شعره الأب حين كان يحادثه الجد قائلاً :
- لقد علمت أنك تسمع حديثنا اليوم
- وكيف علمت ذلك ؟
- كما علمت فى كل مرة تسمع فيها حديثى مع ولدك
قال الأب بابتسامة :
- هذا أبى
- وأنا أريد أن أقول مثلك ؛هذا أبنى ، فهل لك أن تحقق أمنيتى
- نعم يا أبى
- لماذا تعامله بهذا السوء ؟
- سأخبرك يا أبى ، ربما كنت لم أستطع أن اخرج من صدمة رحيل زوجتى بسهولة ، لا أعلم كيف فكرت فى ذلك ..ولكننى ظننت أن مجيء الصغير للدنيا كان شؤم !
- أجننت ...كيف تفكر هكذا ؟ ،هذا قدر الله ، ابنك له إبتسامة تنير الدنيا بأكملها ، ما الذى تقوله !
- لا أعلم يا أبى كيف فكرت كذلك ، ولكنى حين رأيت وجه والدماء وأمه مغمى عليها كان الطفل بشعاً كالشيطان !
-فقط هى الصدمة ، العقل دائما يبحث عن أسباب والحكمة ما هى إلا معرفة أسباب الشيء وأنت بحثت عن سبب لرحيلها فلم تجد فربطت السبب بالطفل ...كم كنت قاسى أكثر من عشر سنوات !
- نعم أدرك الآن كم كنت مخطئاً !
أغمض عينيه فى ألم تلك المرة لم يستطع أن يقف ، لم يستطع أن يتحمل العزاء وترك أبنه يفعل ذلك ، ولم يتحمل الليل . رحيل الجد وسؤال كانت إجابته خاطئة منذ أسبوع فى آخر حوار لهم يطرق عقله باستمرار : من كان المخطئ الآن يا أبى ..من كان المخطئ الآن أيها الجد !
****************************
- لا أريدك أن تخدمنى
- وأنا مثلك ولكن مماتك لن يسعدنى رغم أن حياتك لا تسعدنى كذلك !
جلس الشاب فى غرفته المغلقة ، أخرج لفافة تبغ وأشعلها ، سمع سباب الأب يتصاعد ، لعنه الأبن بداخله ، وأعلى من صوت الأغانى أكثر كى لا يسمع صوته ، يأس الشاب من والده الأحمق . ألا يرى أن عمره أصبح تسعة عشر عاماً ، يا ترى منذ متى وهو يعامله بذلك السوء! كان أكثر عمره الطفل المهذب و الشاب المطيع ، وكأن أخلاقه المهذبه تزعج والده ، ما هذا الجنون . صرخ بغضب :
-فلتهنأ أيها الأحمق فى الجحيم !
مضت الأيام والحياة تسوء فى المنزل فالعلنات تستمر بين الأب المريض الراقد على الفراش وبين أبنه الشاب ، يقول الأب إنه لعنة فيضحك الشاب ويقول ذلك تفكير شخص مجنون ! وكل شمس تشرق على المنزل تأتى بالليل ، ولولا خروجه كل يوم لذهابه للجامعة لربما ظن الشاب أن مصيره كمصير والده المجنون !
والجامعة ، ما أجمل الجامعة ، لم تكن جميلة يوماً فى حياته حتى جاء اليوم التى تعرف فيه على فتاة ، كانت محاضرة ككل المحاضرات وكان جالس فى الركن الأخير كعادته ورأها تدخل من الباب وتتقدم وقرأ فى عينيها أنها تقصده هو ، وصدقت قراءته ولم يكن يظن أنه بارع فى قراءة العيون من قبل ، وجلست بجواره وبدأت فى الحديث معه ، سألته عما فاتها من محاضرات والحقيقة إن لم يكن يركز فى حديثها ، فقط كان ينظر فى عينيها ، ولم يفكر لم سألته هو من دون الجميع فهذا سؤال يعلم إجابته .
لم يتصور من قبل أن الحياة ربما تتحسن بهذا الشكل .وكان كل يوم يأتى فيه إلى الجامعة يأتى فقط لأجل لقائها ، لم يتحدثوا فى شيء ، كان أغلب جلوسهم سوياً صامتاً . يتبادلون النظرات ، يضيع فى عينيها الواسعتين العسليتين وكأنها نهر من عسل ، يأتى بعض الهواء المحمل بالنسيم ودائما يأتى الهواء فى موعده فتتطاير خصلات شعرها الذهبي فيزيدها جمالاً . لم يتحدثوا فى شيء .
لم يردوا أن يقتلوا اللحظات الحلوة بالحديث لم يردوا أن يقتلوا الصمت بالكلمات . تنتهى المحاضرات فيعود كل منهم إلى منزله يتبادلون المكالمات بين الحين والأخر يلاحظ والده السعادة المشرقة فى عينيه .فيلعنه لسعادته . فيبتسم الشاب !
لم تصبح لعنات الأب وصرخاته وسبابه لها أهمية فى حياته فمن دخل مملكة قوس قزح بعدما حمله بساط علاء الدين يكون من الغباء الاهتمام بإشياء غير مهمة ، تمضى الأيام والسعادة تظهر أكثر فى عينيه والراحة تسكن وجدانه أكثر والعلاقة بينه وبين الفتاة تقوى والغريب أن ذلك يزعج الأب المريض ، ويتساءل الأبن : أسعادتى تزعجه لهذا الحد ؟!
حاول أن يوطد علاقته بوالده بعدما حكى لصديقته عن حياته ، أخبرته أنه عليه بالرفق وإن لم يفعل معه والده المثل ، لكلامها عذوبة تحمله على تحمل المشاق ، قام بالفعل بمحاولة تحسين علاقته بوالده لم يشيء ذلك والده فى البداية بل حاول المقاومة مع مضى الأحاديث أكثر حول الفتاة وعن كونه بدأ يعجب بها بدأ يظهر الاهتمام على وجه الأب ، الاهتمام وليس السعادة !
جلس الشاب فى الكافية ينتظر الفتاة ، وأمامه على المنضدة باقة ورد ، هذا اللقاء مختلف ، هذا اللقاء سيجعل من كل اللقاءات مختلفة ، اليوم سيعترف للفتاة بحبه لها ويكاد يجزم بأنها تبادله ذات العشق ، وجد الفتاة تقترب إليه ، نظر إليه باقة الورد التى أتى بها وتسائل كيف يمكن تقديم الورد لأصل الورد ! اقتربت أكثر حتى كادت على بعد خطوتين منه ، شرد فى لحظة فى الحديث الذى دار بينه وبين والده حين أخبره أنه يحب تلك الفتاة وأنه اليوم سيخبرها بذلك تذكر توسلاته له ألا يفعل ذلك وتذكر صرخاته فيه حين قال : أنت تكره سعادتى يا أبى ..أنت تكره سعادتى يا أبى ..هذا جنون !
دخل الأبن باب الشقة وما أن سمع والده باب الشقة يفتح حتى صرخ :أقلت لها أنك تحبها .. أقلت لها أنك تحبها ؟
تجاوز الأبن نداء والده كما تجاوز غرفته ودخل غرفته وأغلق الباب وجلس على مقعده واضعاً قدم فوق الأخرى على المكتب وألقى علبه سجائره معلناً أنه لا تدخين بعد اليوم وظل يدندن مع إحدى أغاني كاظم
(لم يحدث أبداً أن أحببت بهذا العمق ..أنى سافرت مع أمرآة لبلاد الشوق ...وضربت شواطئ عينيها كالرعد الغاضب أو كالبرق فأنا فى الماضى لم أعشق بل كنت أمثل دور العشق )
ومضى أسبوع وذات المجلس ووصول خبر وفاة الفتاة وسحابات الدخان تملأ الغرفة والشاب يبكى بحرقة لا مثيل لها ، والأب ينهض بصعوبة من فراشه حتى يدخل غرفة ابنه ويقول له بسخرية مريرة مشجوبة بالحزن :
- ماتت اليس كذلك؟
برقت عين الشاب وحاول تجفيف الدموع وقال :
-كيف علمت وماذا تقصد ؟
-ألم أقل لك أنك لعنة !
-أنت مجنون ..أذهب إلى فراشك عليك اللعنة !
تعالت ضحكات الأب وقال :
- أنت السبب فى موت والدتك !
-كيف أيها الأحمق ..!
-أنت السبب فى موت جدك ..أنت السبب فى موت الفتاة !كلما أحببت أحد يموت ..كلما كنت تحب أحد وتخبره بذلك لا يمر أسبوع حتى يحتضنه القبر !
-ذلك جنون ..ذلك جنون
تعالت ضحكات الأب وقال :
-ذلك الجنون منتهى العقل !
برقت عين الشاب وصمت وفكر فوجد فى ذلك منطقية فقال فى حسرة :
-ليتنى أحبك !
ضحك الأب بجنون وقال:
-ليته كان بيدك ! ولكن دعك منى فأنت عليك الآن ما هو أصعب من ذلك .. أنت الآن عليك أن تكره نفسك فلو أحببتها لكتبت شهادة وفاتك بنفسك ...وسأدفنك أيها الشيطان ..وسأدفنك حينها !
مر أسبوع ، وفراش عليه جسد الشاب ...ولكنه جسد بارد ...
والأب يسير بصعوبة يستند على الجدران ينادى على ابنه ، يدخل غرفته فيجده لا يتنفس ، فتتعالى ضحكات الأب المجنون
ويظل يردد كلامه وهو يتجول فى أرجاء الشقة :
-كره نفسه ..حباً فى نفسه ،
كره نفسه.. حباً فى نفسه
ففارقته الحياة !