سمو الامير
09 - 01 - 09, 01:33 PM
الزلزال
قصة بقلم د. أحمد مراد
الحلقة الأولى
خالد علوان شاب مصري من سكان مدينة العريش يبلغ من العمر أربع وثلاثون عاما ..
نموذج مثالي للشاب المصري المكافح الذي طحنته الحياة بين فكيها ..
كان حظه من التعليم قليلا بسبب أنه لم ير أباه على وجه الدنيا .. وكان مثقلا بعبء أخواته الأربع وأمه .. فهو رجل البيت بالرغم من أنه أصغرهم
استيقظ من نومه وقام يفرك عينيه وخرج للصالة ليجد أمه تعد له مائدة الافطار
قبلها وهو يقول لها .. (( صباح الخيرات يا وجه الخير كله .. ))
ابتسمت أمه في حنان وقالت له ..
.. (( صباح النور يا ولدي .. ))
نظر خالد الى صورة أبيه الكبيرة والمعلقة في الصالة وقال له (( صباح الفل يا شهيد .. ))
ثم قال ساخرا .. (( ماذا كان سيحدث لو كنت تركت تلك الدبابة ؟؟ .. كنا سننعم بوجودك بيننا الآن .. ))
قالت له أمه في لوم .. (( ألن تكف عن أسلوبك هذا ؟؟ .. كلنا نفخر بأن أباك كان من رجال المقاومة قبل الحرب وقد نال شرف الشهادة فيها حين تصديه مع مجموعة من البدو البسطاء لرتل من الدبابات .. ))
قال وهو يلوح بيديه في سخط ..
.. (( وماذا نالنا من ذلك .. أنا تشردت ومنذ صغري عملت بألف عمل كي اتمكن من تزويج أختين وما زال اثنتين معلقتين في رقبتي .. ناهيك عن نسيان نفسي وحظي من هذه الدنيا .. والدولة تكتفى بالقاء بضع جنيهات الينا كمعاش شهيد لا تكفي حتى لسداد فواتير المياة والكهرباء والتليفون .. وكل يوم ضباط شرطتها يطاردونني بعربة الفاكهة البسيطة التي أعمل عليها .. هل هذه الدولة التي كان يستحق الموت لأجلها ؟؟ .. وهل كانت تستحق أن يحدث كل هذا لنا بسبب موته لأجلها ؟؟ ))
قالت أمه في وهن .. (( يكفينا أنه في الجنة .. ))
لوح بيده مرة أخرى وقال من بين قطع الطعام التي تتناثر من فمه أثناء حديثه
.. (( فليتنعم هو في الجنة .. ولنتجرع نحن الشقاء في الدنيا ))
قالت أمه .. (( آه لو تصلي يا خالد .. ستشعر بالراحة وسييسر الله لك كل عسير .. ))
قال وصوته لا يكاد أن يكون مفهوما بسبب الطعام الذي يملأ شدقيه ..
.. (( هل الصلاة هي التي ستمنع البلدية من ملاحقتي .. أم هي التي ستأتي الي بالأموال التي نستطيع بها من تجهيز وتزويج الأميرتين القابعتين بالداخل ؟؟ ))
قالت أمه في أسف .. (( أستغفر الله العظيم .. هداك الله يا ولدي .. ))
نهض خالد وهو يأخذ آخر قضمة من طعامه وانطلق الى الخارج
وفي أحد أهم الميادين بالمدينة وقف بعربته البسيطة التي يتاجر بجوارها في كل شيء
وليس بالفاكهة وفقط ..
فخالد بالرغم من تعليمه البسيط إلا أن الله منحه موهبة وذكاء تجاري فطري يجعله يستشعر من أين يأتي القرش فينطلق وراءه
هو أول من ابتكر دقيقة المحمول بخمسون قرشا في العريش كلها
وهو أيضا من يخفي بعض قطع الحشيش وسط الفاكهة ولا يبيعها علنا ولا لأي شخص
إنما لأصدقائه وفقط .. فهو يعلم بأن الشرطة تشم خبر التجار في هذا الصنف حين انتشاره
وهو لا يريد ذلك ويكتفي ببيعه لمعارفه .. وقام بتحفيظهم ما سيقولونه لو تم القبض عليهم بسبب حيازته أو تعاطيه .. انها من فلان التاجر الشهير وهو معلوم بالطبع أنه يتاجر فيها
وهو مطمئن بأن أصدقائه لن يقومون ببيعه أبدا فروح الشهامة تجري بدمائهم في هذه النقطة ..
بل إنه في ذات مرة وهو بالقسم حين أحد المرات التي تم القبض عليه فيها .. وبينما يتم اقفال المحضر له اتت مكالمة للضابط وسمعه يرد على محدثه ويقول له بأن سعر البنزين سيرتفع فجأة من صباح الغد وأنهم مكلفون بمتابعة محطات الوقود ويشكوا من عجب تلك المهام ..
التقط خالد تلك الكلمة وحين خروجه توجه مباشرة الى محطة الوقود التي يعمل بها محمد صديقه .. وطلب منهم مطلبا عجيبا ..
فقد طلب شراء كل الكمية المتواجدة بالمحطة الآن ولكن بشرط أن يأتي لأخذها في الغد وقبل مجيء سيارة الإمداد لهم ..
تعجب محمد من هذا المطلب ولكنه وافق
ودفع خالد كل ما يملك من مدخراته
وأصبحت المحطة ملك له لنصف يوم ..
وفي اليوم التالي باع الكمية لصاحب المحطة بأقل مما يشترى من سيارة الامداد وخرج له مكسب رائع دون أن يتعب في شيء سوى الاستفادة من تلك المعلومة
مرت عليه زينة .. تلك الفتاة الجميلة التي تعمل بأحد المحلات القريبة بالميدان
وقالت له .. (( كيف حالك يا خالد .. هل رصصت الفاكهة بحيث تخفي الفاسد منها في أكياس تبدلها للشاري بعد الميزان دون أن يدري ؟ .. ))
ضحك خالد وقال .. (( هل حدث معك هذا ؟ المرة اليتيمة التي اشتريت فيها مني اعطيتك أروعها .. ومن يومها تكتفين بالتفاحة التي تأخذينها مني كل يوم .. هل تقومين بتحويشهم وأخذهم كل آخر أسبوع على أنك اشتريتها ؟ .. ))
ضربته زينة على كتفه وقالت له .. (( أنا أستطيع شرائك أنت وعربتك هذه بمالي .. ))
قال خالد .. (( أحب غيظتك هذه .. ))
قالت له في دلال .. (( متى سأبشر أبي بأنك قادم الينا ؟ ))
تنهد خالد وقال .. (( حينما تحل المصيبتين القابعتين بالمنزل عن رأسي .. وقتها نستطيع الزواج بنفس الشقة مع أمي .. ))
قالت في رجاء .. (( وما المانع أن نتزوج وهما بها .. ))
قال في رفض .. (( يا زينة لن تكون عيشة هنية أبدا .. وكذلك يجب أن أفرغ من جهازيهما ولم أنتهي من إعداده كله بعد .. ))
مدت يدها وأخذت أكبر تفاحة وسط التفاح وقالت ..
.. (( أنت حر .. قد يأتي صاحب نصيب آخر ويختطفني منك وأنت ما زلت في طور الإعداد .. )) وانطلقت دون أن تسمع رده ..
في حين أرسل هو لها قبله في الهواء وهو يضحك قائلا ..
.. (( اجعلي هذا الانتحاري يظهر في الصورة وستعلمين ما الذي سيحدث له .. ))
والتفت خالد لسيارته وبدأ في إعداد الأكياس التي تحدثت عنها زينه وهو يبتسم ويتذكر مقولتها
ومضى يومه عاديا في بيع الفاكهة وقطعيتن فقط من الحشيش
وأخيرا عاد لبيته ليشاهد أحد الأفلام مع أمه وأختيه
وأخيرا في آخر الليل تأكد من إحكام غلق غرفته عليه وفتح الكمبيوتر الذي اشتراه منذ شهر وشاهد أحد الأفلام الخليعة التي يواظب على مشاهدتها كل ليلة
وأخيرا ذهب في نوم عميق وبجسد مكدود
يتبع
قصة بقلم د. أحمد مراد
الحلقة الأولى
خالد علوان شاب مصري من سكان مدينة العريش يبلغ من العمر أربع وثلاثون عاما ..
نموذج مثالي للشاب المصري المكافح الذي طحنته الحياة بين فكيها ..
كان حظه من التعليم قليلا بسبب أنه لم ير أباه على وجه الدنيا .. وكان مثقلا بعبء أخواته الأربع وأمه .. فهو رجل البيت بالرغم من أنه أصغرهم
استيقظ من نومه وقام يفرك عينيه وخرج للصالة ليجد أمه تعد له مائدة الافطار
قبلها وهو يقول لها .. (( صباح الخيرات يا وجه الخير كله .. ))
ابتسمت أمه في حنان وقالت له ..
.. (( صباح النور يا ولدي .. ))
نظر خالد الى صورة أبيه الكبيرة والمعلقة في الصالة وقال له (( صباح الفل يا شهيد .. ))
ثم قال ساخرا .. (( ماذا كان سيحدث لو كنت تركت تلك الدبابة ؟؟ .. كنا سننعم بوجودك بيننا الآن .. ))
قالت له أمه في لوم .. (( ألن تكف عن أسلوبك هذا ؟؟ .. كلنا نفخر بأن أباك كان من رجال المقاومة قبل الحرب وقد نال شرف الشهادة فيها حين تصديه مع مجموعة من البدو البسطاء لرتل من الدبابات .. ))
قال وهو يلوح بيديه في سخط ..
.. (( وماذا نالنا من ذلك .. أنا تشردت ومنذ صغري عملت بألف عمل كي اتمكن من تزويج أختين وما زال اثنتين معلقتين في رقبتي .. ناهيك عن نسيان نفسي وحظي من هذه الدنيا .. والدولة تكتفى بالقاء بضع جنيهات الينا كمعاش شهيد لا تكفي حتى لسداد فواتير المياة والكهرباء والتليفون .. وكل يوم ضباط شرطتها يطاردونني بعربة الفاكهة البسيطة التي أعمل عليها .. هل هذه الدولة التي كان يستحق الموت لأجلها ؟؟ .. وهل كانت تستحق أن يحدث كل هذا لنا بسبب موته لأجلها ؟؟ ))
قالت أمه في وهن .. (( يكفينا أنه في الجنة .. ))
لوح بيده مرة أخرى وقال من بين قطع الطعام التي تتناثر من فمه أثناء حديثه
.. (( فليتنعم هو في الجنة .. ولنتجرع نحن الشقاء في الدنيا ))
قالت أمه .. (( آه لو تصلي يا خالد .. ستشعر بالراحة وسييسر الله لك كل عسير .. ))
قال وصوته لا يكاد أن يكون مفهوما بسبب الطعام الذي يملأ شدقيه ..
.. (( هل الصلاة هي التي ستمنع البلدية من ملاحقتي .. أم هي التي ستأتي الي بالأموال التي نستطيع بها من تجهيز وتزويج الأميرتين القابعتين بالداخل ؟؟ ))
قالت أمه في أسف .. (( أستغفر الله العظيم .. هداك الله يا ولدي .. ))
نهض خالد وهو يأخذ آخر قضمة من طعامه وانطلق الى الخارج
وفي أحد أهم الميادين بالمدينة وقف بعربته البسيطة التي يتاجر بجوارها في كل شيء
وليس بالفاكهة وفقط ..
فخالد بالرغم من تعليمه البسيط إلا أن الله منحه موهبة وذكاء تجاري فطري يجعله يستشعر من أين يأتي القرش فينطلق وراءه
هو أول من ابتكر دقيقة المحمول بخمسون قرشا في العريش كلها
وهو أيضا من يخفي بعض قطع الحشيش وسط الفاكهة ولا يبيعها علنا ولا لأي شخص
إنما لأصدقائه وفقط .. فهو يعلم بأن الشرطة تشم خبر التجار في هذا الصنف حين انتشاره
وهو لا يريد ذلك ويكتفي ببيعه لمعارفه .. وقام بتحفيظهم ما سيقولونه لو تم القبض عليهم بسبب حيازته أو تعاطيه .. انها من فلان التاجر الشهير وهو معلوم بالطبع أنه يتاجر فيها
وهو مطمئن بأن أصدقائه لن يقومون ببيعه أبدا فروح الشهامة تجري بدمائهم في هذه النقطة ..
بل إنه في ذات مرة وهو بالقسم حين أحد المرات التي تم القبض عليه فيها .. وبينما يتم اقفال المحضر له اتت مكالمة للضابط وسمعه يرد على محدثه ويقول له بأن سعر البنزين سيرتفع فجأة من صباح الغد وأنهم مكلفون بمتابعة محطات الوقود ويشكوا من عجب تلك المهام ..
التقط خالد تلك الكلمة وحين خروجه توجه مباشرة الى محطة الوقود التي يعمل بها محمد صديقه .. وطلب منهم مطلبا عجيبا ..
فقد طلب شراء كل الكمية المتواجدة بالمحطة الآن ولكن بشرط أن يأتي لأخذها في الغد وقبل مجيء سيارة الإمداد لهم ..
تعجب محمد من هذا المطلب ولكنه وافق
ودفع خالد كل ما يملك من مدخراته
وأصبحت المحطة ملك له لنصف يوم ..
وفي اليوم التالي باع الكمية لصاحب المحطة بأقل مما يشترى من سيارة الامداد وخرج له مكسب رائع دون أن يتعب في شيء سوى الاستفادة من تلك المعلومة
مرت عليه زينة .. تلك الفتاة الجميلة التي تعمل بأحد المحلات القريبة بالميدان
وقالت له .. (( كيف حالك يا خالد .. هل رصصت الفاكهة بحيث تخفي الفاسد منها في أكياس تبدلها للشاري بعد الميزان دون أن يدري ؟ .. ))
ضحك خالد وقال .. (( هل حدث معك هذا ؟ المرة اليتيمة التي اشتريت فيها مني اعطيتك أروعها .. ومن يومها تكتفين بالتفاحة التي تأخذينها مني كل يوم .. هل تقومين بتحويشهم وأخذهم كل آخر أسبوع على أنك اشتريتها ؟ .. ))
ضربته زينة على كتفه وقالت له .. (( أنا أستطيع شرائك أنت وعربتك هذه بمالي .. ))
قال خالد .. (( أحب غيظتك هذه .. ))
قالت له في دلال .. (( متى سأبشر أبي بأنك قادم الينا ؟ ))
تنهد خالد وقال .. (( حينما تحل المصيبتين القابعتين بالمنزل عن رأسي .. وقتها نستطيع الزواج بنفس الشقة مع أمي .. ))
قالت في رجاء .. (( وما المانع أن نتزوج وهما بها .. ))
قال في رفض .. (( يا زينة لن تكون عيشة هنية أبدا .. وكذلك يجب أن أفرغ من جهازيهما ولم أنتهي من إعداده كله بعد .. ))
مدت يدها وأخذت أكبر تفاحة وسط التفاح وقالت ..
.. (( أنت حر .. قد يأتي صاحب نصيب آخر ويختطفني منك وأنت ما زلت في طور الإعداد .. )) وانطلقت دون أن تسمع رده ..
في حين أرسل هو لها قبله في الهواء وهو يضحك قائلا ..
.. (( اجعلي هذا الانتحاري يظهر في الصورة وستعلمين ما الذي سيحدث له .. ))
والتفت خالد لسيارته وبدأ في إعداد الأكياس التي تحدثت عنها زينه وهو يبتسم ويتذكر مقولتها
ومضى يومه عاديا في بيع الفاكهة وقطعيتن فقط من الحشيش
وأخيرا عاد لبيته ليشاهد أحد الأفلام مع أمه وأختيه
وأخيرا في آخر الليل تأكد من إحكام غلق غرفته عليه وفتح الكمبيوتر الذي اشتراه منذ شهر وشاهد أحد الأفلام الخليعة التي يواظب على مشاهدتها كل ليلة
وأخيرا ذهب في نوم عميق وبجسد مكدود
يتبع