المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الزلزال .. الحلقة الثانية عشر



سمو الامير
17 - 02 - 09, 02:59 AM
الزلزال
قصة بقلم د. أحمد مراد
الحلقة الثانية عشر


دس خالد علبة معجون الأسنان بعناية وسط ملابسة ولملم أشيائه البسيطة .. وخرج الى صالة المنزل
ولمرة جديدة تكررت كثيرا من قبل .. يودع أهل المنزل ..
ولكن هذه المرة بروح تختلف تماما عن كل المرات التي سبقت ..
في المرات السابقة كان هناك شعورا بالإمتنان .. كان يجتاحه إحساس بأنه يعيش في مجتمع من الملائكة ..
كان يخيل له بأن ما يحدث ما هو إلا حلم سوف يستيقط منه بمجرد أن تهزه أمه بحنان كعادتها لبزوغ نور الصباح ..
أمه .. وأخواته .. وزينة كم يشتاق إليهن جميعا ..
حادثهم للمرة الأخيرة عصرا .. طمئنهم أنه بخير
وبكت أمه وهي تحدثه و تقول له .. (( قلبي يوجعني بقوة لأجلك .. طمئنني يا بني .. هل أنت حقا بخير ولا يوجد ما يتهددك ؟؟ ))
رغما عنه نزلت دمعة صامته من عينيه وقال لها بصوت ألبسه القوة في لهجته .. (( يا أمي أخبرتك أني بخير جدا .. والرجل الذي أعمل عنده كريم جدا .. اعتبريني سافرت لإحدى دول الخليج للعمل .. وعند فتح المعبر سأكون عندك بأسرع من البرق ))
وظل يطمئنها وهي تطمئن على صحته ومأكله ومشربه و منامه ..
وكذلك أختيه .. وتكرر نفس الحديث للمرة الثالثة مع زينة .. ولكنه زاد على حواره معها تأكيده لها بأنه فور عودته سيتزوجها
وبعدها كما نصحه الرجل تخلص من جواله تماما ولم يعد مسموحا له الاتصال بأي شخص
وأن كل حركاته وسكناته لابد وأن تكون بحساب وباستئذان أيضا ..
سلم عليهم ببسمة مفتعله وهو يرى الجميع ما هم إلا تجارا ..
كل يسعى بطريقته للربح ..
وهو أيضا سيسعى للربح الذي ينشده ..
وأخيرا في سكون الليل انطلق به الرجل أيضا بسيارته وبدون أضواء ..
سأله خالد قائلا .. (( إلا أين سنتوجه ؟؟ ))
قال له الرجل ببساطة .. (( إلى جباليا .. ))
هز خالد يديه في حيرة وقال .. (( جباليا والشجاعية وكل الأحياء عندي سواء .. أقصد هل حان أن أعلم من الذي سأحط الرحال عنده هذه المرة ؟؟ ))
ابتسم الرجل وتنهد وقال له .. (( عالم جليل من علماء الحديث .. ومقاتل من مقاتلي الصف الأول .. على يديه تم هداية مؤسس كتائب القسام القائد الشهيد صلاح شحادة .. وبهذا فكل عملية جهادية تقوم بها الكتائب فهي في ميزان حسناته إن شاء الله .. رجل يعيش على أمل نيل الشهادة وهي حلمه الوحيد ..إنه شيخنا الجليل د. نزار ريان .. ))
هز خالد رأيه بغير عنايه .. فكل الأسماء عنده سواسية ولن تفرق معه .. هو لا يعرف من قادة حماس إلا إسماعيل هنية وخالد مشعل .. فهما أكثر اثنين يرى ويسمع اسميهما على قناة الأقصى التي اضطر لمشاهدتها الأشهر الماضية ..
وصلت السيارة ووقفت أمام بيت مكون من طابقين .. وأمامه كان يقف رجلا ضخما بجلبابه الأبيض ولحيته الكثيفه .. ورغم الضوء الشاحب الذي يعم المكان ..
كان وجه الرجل يشعا نورا براقا .. احتضن الشيخ التاجر المصاحب لخالد وهو يرحب به ويدعوه للدخول ولكن الرجل أبي وقال له أسلمك الأمانة وهو يشير نحو خالد
امتعض خالد للكلمة فقد شعر وكأنه يسلمه ورقة مالية أو أيا من أغراضة التي يعج بها جيبه ..
ولكنه ابتسم مرغما وهو يسلم على الشيخ الي أصر أن يحتضنه وهو يسلم عليه
وتسللت رائحة المسك الى أنف خالد منبعثة من بين ثنايا الشيخ ..
وخالد يشعر برهبة قوية
ترى في أي أتون قد ألقى بنفسه ؟؟ ..
يبدوا أن المسلسلات المصرية التي شاهدها والتي تظهر الجماعات الارهابية ومعسكراتها حقيقة فعلا وهو بين أنياب إحداها الآن
قد يكون من السهل خداع التاجر فيما سبق
أما هؤلاء فحتما لديهم التنظيم الدقيق والعقل الواعي لكل شاردة وواردة
وأقل غلطة كفيلة بسقوطه
ووقتها .. لن تكون هناك رحمة ولا شفقة ولا عطف .. سيمزقونه إربا ويكون عبرة لمن يعتبر كما فعلوا من قبل أمام عينيه
ولكن ..
إنها عشرة ملايين دولار
تستحق العناء والتعب والمغامرة ..
والخطة تسير كما رسمها واضعوها ..
وباذن الله سينجح
صعد مع الشيخ الى الطابق الثاني ودخل حجرة كان هناك أربعة أطفال يتوسدون الأرض بها ويغطون في نوم عميق
تعجب خالد من المشهد ..
الرجل حسبما قال له التاجر أحد أساتذة الجامعة البارزين .. وحتما له مقام كبير وله وضع خاص
توقع خالد بأنه حتما سيكون في أبهة أكبر من التي يعيش بها التاجر وكان يتوقع أن يجد الكثير من الرفاهية
ولكن البداية غير مبشرة
أشار الشيخ الى وسادة صغيرة في أحد الجوانب وقال له فلتحاول الحصول على قسط من النوم
لم يرد خالد عليه وذهب الى تلك الوسادة وظل جالسا حتى أغلق الرجل الباب عليه وساد الظلام الدامس عليه
ارتمي خالد على وسادته وشعر بالأرض الصلبة تحته
لم يشعر بالراحة
حاول التقلب يمينا وشمالا
ولم يستطع أن يستقر على وضع يسمح للنوم بأن يطرق جفنيه
كان يتعجب بشدة من صوت غطيط الأطفال وعدم شعورهم بدخوله وهم في نوم عميق
كيف نام هؤلاء في هذا الجو العجيب والوضع الغريب
وهل هذا أب الذي يلقي بأبنائه كالفئران لينامو هكذا ؟؟
شعر خالد بضيق شديد
وقال لنفسه
يبدوا أن العشرة ملايين لن تأتي بسهولة وسأدفع مقابلا لكل مليم فيها
وفكر وقرر بأنه يجب التعجيل بما ينتوى فهو لن يتحمل هذا الوضع كثيرا
فلو ظل أسبوعا واحدا هكذا .. سيعترف للرجل بكل شيء ويعطيه علبة المعجون ويطالبه بقتله رحمة له مما هو فيه
مرت ثلاث ساعات وخالد يجافيه النوم
واذا بالباب يفتح
ودخل الشيخ وهو يحمل مصباحا موقدا بشمعة في وسطه
وينادي عليهم
نظر خالد نحو النافذة .. فاذا بسواد الليل هو الوحيد الذي يطل عليه بوجهه
فقال للشيخ .. (( هل طلع الصباح ؟ .. ما زال سواد الليل قاتما .. ))
سأله الشيخ مستنكرا .. (( وهل كنت تنتوي النوم حتى الصباح ؟؟ ))
هيا قم فقد حان وقت القائمين .. قيام الليل ينتظرك ..
أسقط في يد خالد ..
إنه لم يكن يؤدي الفرائض .. وهذا الرجل يطالبه القيام للصلاة في قلب الليل ..
أي مصيبة هذه التي حطت على رأسه
إنه لم ينم بعد .. فهل لو كان نائما كان لزاما عليه أن يقوم من غفوته ولذة النوم الجميلة ودغدغتها لجسده براحتها .. فهل كان يجب عليه القيام للصلاة ؟؟!!
تنهد خالد وقام ليصحبهم الى الصلاة وهو يتمنى أن يتخلص تماما من كل ما هو فيه
توضأ خالد واصطف بين الصبية خلف الشيخ وبدأ الرجل في الصلاة وتلاوة القرآن بصوت لم ير له خالد مثيلا ..
لم يكن شجيا كصوت المطربين .. وإنما كان صوتا يقطر بالرهبة والخوف والتضرع ..
واكتشف خالد بأن هناك صفا خلفه لم يلحظه في الظلام ولكن نهنهات البكاء الأنثوية من خلفه كشفت له بأن نساء البيت من خلفه
هم خالد أن يستدير ليرى من هم وكشف شكلهم ..
ولكن لم يستطع فهو في صلاة وكيف سيكون مظهره أمامهم اذا وجدوه ينظر اليهم
ظل الشيخ ربع ساعة كاملة يقرأ في القرآن ولم يركع بعد ركعته الأولى ..
شعر خالد يتنميل في قدمية ووجع في ركبتيه وتململ في وقفته
وتسائل ساخطا .. (( متى سينتهي هذا الرجل من صلاته ؟؟!! .. ))
ولم يصدق نفسه حين فعلها وركع
وأطال الشيخ في السجود .. حتى أن خالد بسبب ارهاقه وقلة نومه غفا في سجدته ولم يشعر بقيامهم منها الا بعد أن هزه الصبي المجاور له ..
وكانت الركعة الثانية أطول من الأولى
ما إن سلم الشيخ وقام ليقول استقيموا يرحمكم الله حتى علا صوت خالد قائلا
.. (( اعذرني يا مولانا .. أنا لم أنم ولن أتحمل صلاة ركعتين أخرتين معك بهذا الشكل .. ))
التفت الشيخ اليه وابتسم له وقال بصوت خافت .. (( اذهب وخذ قسطا من النوم وسأوقظك لصلاة الفجر باذن الله .. ))
لم يرد عليه خالد وانطلق الى حجرته
والقي برأسه على وسادته التي شعر بملمسها الآن كأنها الحرير
وفي ثوان كان قد ذهب في سبات عميق
ولكن ما كان يتراءى له هي عبارة واحدة يقولها لنفسه
.. (( يبدوا أني سأرى أياما سوداء في هذا المنزل .. ))



يتبع

احمد 20
11 - 04 - 09, 02:26 PM
جزاك الله كل خير
جارى المتابعة