سمو الامير
17 - 02 - 09, 03:03 AM
الزلزال
قصة بقلم د. أحمد مراد
الحلقة الرابعة عشر
حين تعانق أنفاسك عنان السماء ..
بعد احساسك أن لك أجنحة ترفرف في سماء الرضا السامي ..
حين تشعر بأن كل خلايا جسدك قد استقرت في مواضعها الصحيحة ..
عندما ترى الكون متوافق ومتناغم معك بشكل غير عادي ..
وقتها .. ستقسم أن هذه هي السعادة كل السعادة ..
ستعلم أن هذا حلما يسعى اليه الجميع وقليل من يطوله ..
هذا هو احساس خالد الآن ..
والعجيب أن هذا ما حدث بعد عشرة أيام فقط ..
عشرة أيام تورمت قدماه بالوقوف في ساحة الجليل قائما ومصليا ..
أياما عشرة تلا فيها القرآن الكريم كاملا .. أكثر من ثلاث مرات ..
صام نصف هذه المدة بمعدل صيام يوم وافطار الآخر ..
كان الأمر عبئا ثقيلا عليه .. ولكنه يعلم بأن الحصول على المال أمرا شاقا وصعب المنال .. ولهذا قرر التحمل
وفي اليوم الثالث بدأ الاعتياد
وبعدها بأيام .. بدأ احساس الراحة يتسلل اليه ويملأ كل جوانبه ..
وأخيرا أصبحت الشفافية والروحانية هي الممثلة فيه ..
احساس بمتعة لم يتذوقها من قبل ..
كان يسمع من رفاقه بأن تعاطي الحشيش والهيروين تعطيهم احساسا بالنشوة لا مثيل له يستحق كل جنيه يدفع فيه
وهو الآن يقسم لهم بأن احساس القشعريرة الجميلة .. والنشوة اللذيذة .. وهفهفة النفس والروح التي هو بها .. لو علموا ما فيها .. لقاتلوه عليها بالسيوف ..
اكتشف خالد حياة جديدة لم يكن يعلم اليها سبيلا ..
ووطأ أرضا لم تخطر له ببال ..
يومه كله تم تقسمته على جدول رائع جميل ..
صلاة الفجر .. نوم لمدة ساعة .. ثم الاستيقاظ لصلاة الضحى والافطار إن كان يوما عاديا بلا صوم .. ثم بداية قراءة القرآن برفقة الصبية
أصبحت تلك القراءة التهاما للأحرف والكلمات بعد أن كانت تعتعة وتعثرا ..
ثم صلاة الظهر مع الشيخ بمسجده الخلفاء الراشدين بجباليا إن كان قد عاد من كلية أصول الدين بالجامعة الاسلامية التي يعمل بها .. ليصلي خلفه ويستمع الى درسه الرائع
ويعود للغداء البسيط ثم يبدأ في أحد دروس العلم على يد شيخه في الفروع التي أخبره بها من فقة وحديث وعلوم القرآن الكريم والعقيدة
ثم نوم ساعة واحدة فصلاة العصر بدرسها ثم عودة الى درس الشيخ بالمنزل فصلاة المغرب والمكوث بالمسجد حتى العشاء
ثم العودة لوجبة العشاء أو اكمال الافطار إن كان صائما فالنوم .. ثم القيام قبل الفجر بساعتين ..
شعر خالد بأنه قد اغتسل في بحر علم الرجل وإيمانه ..
فنهل منه علما وروحانية لا مثيل لها ..
أحب الرجل بعد أن كان ناقما عليه .. حبا جما لا مثيل له .. فقد شعر بأنه هو من بث فيه الحياة مرة أخرى ..
نسى خالد تماما كل حياته السابقة نسيانا تاما ..
بل لقد نسى الملايين وهدفه الذي كان يسعي اليه ..
فقد تحول طلبه للعلم على يد الشيخ الى نهم يملأ كل كيانه ..
وأصبحت الطاعة والمكوث بين يدي الله هي الراحة الحقيقية التي ينشدها ..
مر شهر ونصف وخالد على هذه الحال الجميلة وقد نال قسطا رائعا من العلم الشرعي ..
وفي ذات يوم بعد انتهاء درس من دروس مصطلح الحديث .. نظر الشيخ اليه مبتسما وقال له ..
(( لقد صدق الرجل حين قدمك الي وقال بأنك من معدن ذهبي خالص يحتاج الى من يجلوه ويلمعه .. لم أرى استجابة رائعة من قبل مثل استجابتك هذه .. أنت الآن في أتم الاستعداد لما هو مُعد لك .. ولكننا الآن في حالة تهدئة مع اليهود .. ولسنا نحن من ينقض العهود .. هم حتما سيفعلونها .. ووقتها هنيئا لك يا عريس الجنة .. ))
صمت خالد وارتج كل كيانه ..
فقد تذكر ما كان قد نسيه تماما ..
تذكر الوحل الذي كان منغمسا فيه ..
قال لنفسه .. (( ياللهول .. ماذا أنا كنت فاعلا من أجل المال .. أبيع الآخرة لأجل حفنة دولارات !! .. أكون خائنا ووقتها أستحق إفراغ كل ذخيرة المقاتلين في جسدي )) .. لقد زالت الغشاوة عن عينيه الآن .. وعلم ما هي الحياة الحقيقة .. ولهذا .. قرر التخلص من كل ذلك .. هو يثق من حب الشيخ وثقته به .. فقد أخذه أكثر من مرة لقيام الليل برفقة المقاتلين في ميادينهم .. وهذه ثقة لا تمنح لأي فرد .. لهذا قرر أن يخبر الشيخ بكل شيء
بل لقد قرر أن يقوم حقا بعملية استشهادية ..
فبعد أن تعلم أحكام الجهاد ووجوبه .. وبعد أن علم الثواب الجزيل المعد للشهيد .. أصبح يتوق لها بحق ..
رفع رأسه وقال لشيخه ..
.. (( هناك أمرا أريد إخبارك به .. ))
قال له الشيخ .. (( قم أولا ولتأت لنا بالخبز فلا توجد كسرة واحدة بالمنزل عندنا .. وهذا هو دورك للإتيان به .. ))
اعتاد خالد على طاعة شيخة دون جدال ..
لهذا قام وهو ينتوى أن يخبره فور عودته ..
نزل من المنزل .. سار الهويني وهو يتهادي ولسانة يتمتم بذكر الاستغفار ..
وعندما دخل في حارة جانبية اذا بسيارة تندفع في تلك الحارة وتقف بموازاته وببابها يفتح
وحسين ينادية بأن يركب بسرعة ..
شعر خالد بالشلل ولم يدر ماذا يفعل ..
فما كان من حسين الا أن مد يده وجذبه وانطلق بالسيارة مسرعا ..
قبل أن يفتح حسين فمه بكلمة اذا بخالد يقول له ..
.. (( اسمعني يا رجل أيا كنت من الموساد او غيره .. أخبر رؤسائك بأني قد اهتديت والحمد لله .. ولم تعد تعنيني كل أموال الدنيا .. ولن أبيع آخرتي لأجل دنيا فانية .. ))
قهقه حسين بقوة وجسده يرتج بعنف .. مما أدهش خالد فقال له في تعجب .. (( ما الذي يضحكك هكذا ؟؟ !! ))
مسح حسين دموعة التي سالت من شدة الضحك وقال .. (( ألم أقل لك بأن واضعي الخطة هم عباقرة .. لقد توقعوا كل حرف نطقت به .. وأني سأجدك الآن على هذه الحالة .. وكل خطوة مرسومة بعناية .. ))
شعر خالد بالحيرة .. ماذا يقصد هذا الرجل ؟؟ .. لقد كان تهديدهم له بشريط الاتفاق المسجل وأصبح سهلا أن يشرح الأمر بالتفصيل لشيخه ووقتها سيظهر كل شيء ولن يكون متهما .. فهل هناك شيئا آخر ؟؟ ..
فقال لحسين .. (( أي إعداد هذا الذي أعددتموه ؟!! .. ))
قال له حسين .. (( أنت تعرف التكنولوجيا الحديثة وألاعيبها .. الشريط المسجل لدينا لم يعد مجرد تسجيل للاتفاق .. بل أصبح عدة شرائط فاضحة وبشكل داعر .. ))
شعر خالد بالامتعاض ولكن حتى لو كان كذلك فمن السهل نقضه بأنه قد تاب الى الله وحتما قد ظهرت عليه كل الدلائل ولكن صعب جدا أن يظهر بهذا الشكل أمام شيخه .. فقال له بقوة ..
.. (( لا يهمني كل ذلك .. ))
ابتسم حسين وقال له .. (( تلك خطوة .. أما التالية فهي ما سيهمك .. ))
نظر اليه خالد متسائلا .. فأخرج حسين جواله وطلب رقما وأعطي الهاتف لخالد وقال له.. (( استمع لمحدثتك .. ))
أخذ خالد الجوال بتردد واذا به يجد أمه تتسائل من الطالب ..
شعر خالد بحنان صوت أمه .. شعر بكم الأشواق لها في قلبه .. فناداها قائلا .. (( كيف حالك يا أمي ؟ .. انا خالد .. ))
قالت أمه من بين نشيجها .. (( كيف أنت يا خالد يا ولدي ؟؟ .. لقد اطمأننت عليك بعد أن أرسلت لنا تلك الأموال .. الآن تيقنت أنك بخير .. ))
صمت خالد ونظر نحو حسين متسائلا بعنف .. فأشار اليه حسين بأن يكمل المكالمة .. فقال لأمه ..
.. (( متى أتتك الأموال يا أمي ومن أحضرها لك .. وكم وصلك ؟ ))
قالت أمه .. (( لقد جائنا رجل قال بأنك حولت اليه المبلغ على صرافته وأعطانا ألف دولار لتصريف شئوننا .. ))
صمت خالد مليا .. ثم قال لأمه .. (( معذرة يا أمي ولكن هذه الأموال ليست لكم .. لقد أرسلتها لتتصدقوا بها للفقراء كي يفرج الله كربي .. أرجوكي اصرفيها هكذا .. ))
لم تشر أمه في نبرة من صوتها بأنها في حاجة الى هذا المال وقالت له .. (( حاضر يا ولدي سأتصدق بها عسى الله أن يعيدك الينا عاجلا .. ))
سلم خالد عليها وسألها عن أختيه وأغلق معها .. ثم نظر نحو حسين وقال له .. (( ماذا يعني هذا ؟؟ ))
قال حسيت ببساطة (( كنا نريد اشعارك بأننا نرعي أسرتك .. ))
قال خالد في عنف .. (( لن أقبل قرشا حراما منكم .. ))
قال حسين ببساطة أكثر .. (( أريد أيضا أن أخبرك بأن حوداث انفجار أنابيب الغاز قد كثرت بالعريش وقد لقت أسر كاملة نحبها بسبب هذا .. ))
زاغت عينا خالد وهو يستمع الى تهديد حسين بقتل أسرته ..
وأسقط بين يديه .. وصمت وهو لا يفه بحرف ..
قال حسين .. (( أيضا كي لا يكون تهديدا خالصا .. نحن نعمل مبدأ العصا والجزرة .. تخيل شيخك هذا وهو ممزق إربا أمام عينيك .. هل تقبلها .. هل ترضى بأن ترى أبنائه منفصلي الرؤوس عن الأجساد ؟؟ .. يا خالد الله عز وجل أمرنا أن نأخذ بالأسباب .. هذا الجندي الأسير لدي حماس هو كلب يهودي لا قيمة له .. لا يستحق أن تزهق نفسا واحدة لأجله .. صدقني ستقوم حربا يموت فيها الكثيرين بسببه .. القادة في حماس لهم مباديء وكرامة وسياسية لا يستطيعون بسببها أن يسلموا هذا الجندي لمنع تلك الحرب .. افعلها أنت نيابة عنهم .. وانجدهم جميها من القتل هم وأهاليهم ..
فكر في هذا الكلام بتأني والعملية الآن ليست لأجل العشرة ملايين والتي ستنالها حتما .. ولكن لمنع شر مستطير عن هؤلاء الصالحين ..
وأخيرا اذا لم تقتنع بذلك .. فأعتقد بأن حياة امك وأختيك ستقنعك .. أنت الآن وصلت لمرتبة لا مثيل لها من الثقة .. أكمل المهمة على بركة الله ..
وحافظ على أرواح الجميع .. أهلك هنا وبالعريش .. هيا عد بسرعة حتى لا يكتشف الرجل تغيبك .. ))
وفتح له الباب وهبط خالد
سار خالد وهو يتهاوى ..
فجأة ذهبت الراحة التي كانت تكتنفه ..
واختفى الجناحين اللذين كان يحلق بهما قبل رؤية هذا الشيطان ..
أخذ يقلب كفية وهو لا يدري ماذا يفعل ..
حصل على الخبز وهو سار وهو شارد حتى أنه لم ينتبه لبوق تلك السيارة التي مر أمامها ولا يراها وظل قائدها يكيل له التقريع ..
عاد الى الشيخ الذي أجلسه بجواره كالعادة ..
وقال له .. (( والآن بماذا كنت تريد إخباري ؟؟ ))
لم يستطع خالد منع دموعه التي انهمرت وهو يشعر بالانهيار ..
وقال للشيخ .. (( كلما أسمعك تقول أنك تطلب الشهادة .. أشعر بأن هذه الدنيا ستختل بدونك .. وكنت أريد أن أخبرك بأني أحبك أكثر من أبي الذي لم أره .. ))
ربت الشيخ على ظهره وقال له .. (( أحبك الله الذي أحببتني فيه .. لو دامت لمخلوق لكان الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .. ولو اختلت بموت أحد لكان هو صلى الله عليه وسلم .. لكل منا دوره يا خالد .. وأنا أيضا أحبك حبا جما .. ))
قال خالد من بين دموعه .. (( أستأذنك يا شيخي الحبيب لن أستطيع اكمال درس اليوم .. أريد الخلوة قليلا .. ))
ايتسم الرجل ابتسامته الوضاءة وأشار لحجرته ..
فقام خالد ودخلها .. وارتمي على وسادته ..
وعلا صوت نشيجه ودموعة قد تفجرت أنهارا بأكثر مما كانت أمام الشيخ ..
يتبع
قصة بقلم د. أحمد مراد
الحلقة الرابعة عشر
حين تعانق أنفاسك عنان السماء ..
بعد احساسك أن لك أجنحة ترفرف في سماء الرضا السامي ..
حين تشعر بأن كل خلايا جسدك قد استقرت في مواضعها الصحيحة ..
عندما ترى الكون متوافق ومتناغم معك بشكل غير عادي ..
وقتها .. ستقسم أن هذه هي السعادة كل السعادة ..
ستعلم أن هذا حلما يسعى اليه الجميع وقليل من يطوله ..
هذا هو احساس خالد الآن ..
والعجيب أن هذا ما حدث بعد عشرة أيام فقط ..
عشرة أيام تورمت قدماه بالوقوف في ساحة الجليل قائما ومصليا ..
أياما عشرة تلا فيها القرآن الكريم كاملا .. أكثر من ثلاث مرات ..
صام نصف هذه المدة بمعدل صيام يوم وافطار الآخر ..
كان الأمر عبئا ثقيلا عليه .. ولكنه يعلم بأن الحصول على المال أمرا شاقا وصعب المنال .. ولهذا قرر التحمل
وفي اليوم الثالث بدأ الاعتياد
وبعدها بأيام .. بدأ احساس الراحة يتسلل اليه ويملأ كل جوانبه ..
وأخيرا أصبحت الشفافية والروحانية هي الممثلة فيه ..
احساس بمتعة لم يتذوقها من قبل ..
كان يسمع من رفاقه بأن تعاطي الحشيش والهيروين تعطيهم احساسا بالنشوة لا مثيل له يستحق كل جنيه يدفع فيه
وهو الآن يقسم لهم بأن احساس القشعريرة الجميلة .. والنشوة اللذيذة .. وهفهفة النفس والروح التي هو بها .. لو علموا ما فيها .. لقاتلوه عليها بالسيوف ..
اكتشف خالد حياة جديدة لم يكن يعلم اليها سبيلا ..
ووطأ أرضا لم تخطر له ببال ..
يومه كله تم تقسمته على جدول رائع جميل ..
صلاة الفجر .. نوم لمدة ساعة .. ثم الاستيقاظ لصلاة الضحى والافطار إن كان يوما عاديا بلا صوم .. ثم بداية قراءة القرآن برفقة الصبية
أصبحت تلك القراءة التهاما للأحرف والكلمات بعد أن كانت تعتعة وتعثرا ..
ثم صلاة الظهر مع الشيخ بمسجده الخلفاء الراشدين بجباليا إن كان قد عاد من كلية أصول الدين بالجامعة الاسلامية التي يعمل بها .. ليصلي خلفه ويستمع الى درسه الرائع
ويعود للغداء البسيط ثم يبدأ في أحد دروس العلم على يد شيخه في الفروع التي أخبره بها من فقة وحديث وعلوم القرآن الكريم والعقيدة
ثم نوم ساعة واحدة فصلاة العصر بدرسها ثم عودة الى درس الشيخ بالمنزل فصلاة المغرب والمكوث بالمسجد حتى العشاء
ثم العودة لوجبة العشاء أو اكمال الافطار إن كان صائما فالنوم .. ثم القيام قبل الفجر بساعتين ..
شعر خالد بأنه قد اغتسل في بحر علم الرجل وإيمانه ..
فنهل منه علما وروحانية لا مثيل لها ..
أحب الرجل بعد أن كان ناقما عليه .. حبا جما لا مثيل له .. فقد شعر بأنه هو من بث فيه الحياة مرة أخرى ..
نسى خالد تماما كل حياته السابقة نسيانا تاما ..
بل لقد نسى الملايين وهدفه الذي كان يسعي اليه ..
فقد تحول طلبه للعلم على يد الشيخ الى نهم يملأ كل كيانه ..
وأصبحت الطاعة والمكوث بين يدي الله هي الراحة الحقيقية التي ينشدها ..
مر شهر ونصف وخالد على هذه الحال الجميلة وقد نال قسطا رائعا من العلم الشرعي ..
وفي ذات يوم بعد انتهاء درس من دروس مصطلح الحديث .. نظر الشيخ اليه مبتسما وقال له ..
(( لقد صدق الرجل حين قدمك الي وقال بأنك من معدن ذهبي خالص يحتاج الى من يجلوه ويلمعه .. لم أرى استجابة رائعة من قبل مثل استجابتك هذه .. أنت الآن في أتم الاستعداد لما هو مُعد لك .. ولكننا الآن في حالة تهدئة مع اليهود .. ولسنا نحن من ينقض العهود .. هم حتما سيفعلونها .. ووقتها هنيئا لك يا عريس الجنة .. ))
صمت خالد وارتج كل كيانه ..
فقد تذكر ما كان قد نسيه تماما ..
تذكر الوحل الذي كان منغمسا فيه ..
قال لنفسه .. (( ياللهول .. ماذا أنا كنت فاعلا من أجل المال .. أبيع الآخرة لأجل حفنة دولارات !! .. أكون خائنا ووقتها أستحق إفراغ كل ذخيرة المقاتلين في جسدي )) .. لقد زالت الغشاوة عن عينيه الآن .. وعلم ما هي الحياة الحقيقة .. ولهذا .. قرر التخلص من كل ذلك .. هو يثق من حب الشيخ وثقته به .. فقد أخذه أكثر من مرة لقيام الليل برفقة المقاتلين في ميادينهم .. وهذه ثقة لا تمنح لأي فرد .. لهذا قرر أن يخبر الشيخ بكل شيء
بل لقد قرر أن يقوم حقا بعملية استشهادية ..
فبعد أن تعلم أحكام الجهاد ووجوبه .. وبعد أن علم الثواب الجزيل المعد للشهيد .. أصبح يتوق لها بحق ..
رفع رأسه وقال لشيخه ..
.. (( هناك أمرا أريد إخبارك به .. ))
قال له الشيخ .. (( قم أولا ولتأت لنا بالخبز فلا توجد كسرة واحدة بالمنزل عندنا .. وهذا هو دورك للإتيان به .. ))
اعتاد خالد على طاعة شيخة دون جدال ..
لهذا قام وهو ينتوى أن يخبره فور عودته ..
نزل من المنزل .. سار الهويني وهو يتهادي ولسانة يتمتم بذكر الاستغفار ..
وعندما دخل في حارة جانبية اذا بسيارة تندفع في تلك الحارة وتقف بموازاته وببابها يفتح
وحسين ينادية بأن يركب بسرعة ..
شعر خالد بالشلل ولم يدر ماذا يفعل ..
فما كان من حسين الا أن مد يده وجذبه وانطلق بالسيارة مسرعا ..
قبل أن يفتح حسين فمه بكلمة اذا بخالد يقول له ..
.. (( اسمعني يا رجل أيا كنت من الموساد او غيره .. أخبر رؤسائك بأني قد اهتديت والحمد لله .. ولم تعد تعنيني كل أموال الدنيا .. ولن أبيع آخرتي لأجل دنيا فانية .. ))
قهقه حسين بقوة وجسده يرتج بعنف .. مما أدهش خالد فقال له في تعجب .. (( ما الذي يضحكك هكذا ؟؟ !! ))
مسح حسين دموعة التي سالت من شدة الضحك وقال .. (( ألم أقل لك بأن واضعي الخطة هم عباقرة .. لقد توقعوا كل حرف نطقت به .. وأني سأجدك الآن على هذه الحالة .. وكل خطوة مرسومة بعناية .. ))
شعر خالد بالحيرة .. ماذا يقصد هذا الرجل ؟؟ .. لقد كان تهديدهم له بشريط الاتفاق المسجل وأصبح سهلا أن يشرح الأمر بالتفصيل لشيخه ووقتها سيظهر كل شيء ولن يكون متهما .. فهل هناك شيئا آخر ؟؟ ..
فقال لحسين .. (( أي إعداد هذا الذي أعددتموه ؟!! .. ))
قال له حسين .. (( أنت تعرف التكنولوجيا الحديثة وألاعيبها .. الشريط المسجل لدينا لم يعد مجرد تسجيل للاتفاق .. بل أصبح عدة شرائط فاضحة وبشكل داعر .. ))
شعر خالد بالامتعاض ولكن حتى لو كان كذلك فمن السهل نقضه بأنه قد تاب الى الله وحتما قد ظهرت عليه كل الدلائل ولكن صعب جدا أن يظهر بهذا الشكل أمام شيخه .. فقال له بقوة ..
.. (( لا يهمني كل ذلك .. ))
ابتسم حسين وقال له .. (( تلك خطوة .. أما التالية فهي ما سيهمك .. ))
نظر اليه خالد متسائلا .. فأخرج حسين جواله وطلب رقما وأعطي الهاتف لخالد وقال له.. (( استمع لمحدثتك .. ))
أخذ خالد الجوال بتردد واذا به يجد أمه تتسائل من الطالب ..
شعر خالد بحنان صوت أمه .. شعر بكم الأشواق لها في قلبه .. فناداها قائلا .. (( كيف حالك يا أمي ؟ .. انا خالد .. ))
قالت أمه من بين نشيجها .. (( كيف أنت يا خالد يا ولدي ؟؟ .. لقد اطمأننت عليك بعد أن أرسلت لنا تلك الأموال .. الآن تيقنت أنك بخير .. ))
صمت خالد ونظر نحو حسين متسائلا بعنف .. فأشار اليه حسين بأن يكمل المكالمة .. فقال لأمه ..
.. (( متى أتتك الأموال يا أمي ومن أحضرها لك .. وكم وصلك ؟ ))
قالت أمه .. (( لقد جائنا رجل قال بأنك حولت اليه المبلغ على صرافته وأعطانا ألف دولار لتصريف شئوننا .. ))
صمت خالد مليا .. ثم قال لأمه .. (( معذرة يا أمي ولكن هذه الأموال ليست لكم .. لقد أرسلتها لتتصدقوا بها للفقراء كي يفرج الله كربي .. أرجوكي اصرفيها هكذا .. ))
لم تشر أمه في نبرة من صوتها بأنها في حاجة الى هذا المال وقالت له .. (( حاضر يا ولدي سأتصدق بها عسى الله أن يعيدك الينا عاجلا .. ))
سلم خالد عليها وسألها عن أختيه وأغلق معها .. ثم نظر نحو حسين وقال له .. (( ماذا يعني هذا ؟؟ ))
قال حسيت ببساطة (( كنا نريد اشعارك بأننا نرعي أسرتك .. ))
قال خالد في عنف .. (( لن أقبل قرشا حراما منكم .. ))
قال حسين ببساطة أكثر .. (( أريد أيضا أن أخبرك بأن حوداث انفجار أنابيب الغاز قد كثرت بالعريش وقد لقت أسر كاملة نحبها بسبب هذا .. ))
زاغت عينا خالد وهو يستمع الى تهديد حسين بقتل أسرته ..
وأسقط بين يديه .. وصمت وهو لا يفه بحرف ..
قال حسين .. (( أيضا كي لا يكون تهديدا خالصا .. نحن نعمل مبدأ العصا والجزرة .. تخيل شيخك هذا وهو ممزق إربا أمام عينيك .. هل تقبلها .. هل ترضى بأن ترى أبنائه منفصلي الرؤوس عن الأجساد ؟؟ .. يا خالد الله عز وجل أمرنا أن نأخذ بالأسباب .. هذا الجندي الأسير لدي حماس هو كلب يهودي لا قيمة له .. لا يستحق أن تزهق نفسا واحدة لأجله .. صدقني ستقوم حربا يموت فيها الكثيرين بسببه .. القادة في حماس لهم مباديء وكرامة وسياسية لا يستطيعون بسببها أن يسلموا هذا الجندي لمنع تلك الحرب .. افعلها أنت نيابة عنهم .. وانجدهم جميها من القتل هم وأهاليهم ..
فكر في هذا الكلام بتأني والعملية الآن ليست لأجل العشرة ملايين والتي ستنالها حتما .. ولكن لمنع شر مستطير عن هؤلاء الصالحين ..
وأخيرا اذا لم تقتنع بذلك .. فأعتقد بأن حياة امك وأختيك ستقنعك .. أنت الآن وصلت لمرتبة لا مثيل لها من الثقة .. أكمل المهمة على بركة الله ..
وحافظ على أرواح الجميع .. أهلك هنا وبالعريش .. هيا عد بسرعة حتى لا يكتشف الرجل تغيبك .. ))
وفتح له الباب وهبط خالد
سار خالد وهو يتهاوى ..
فجأة ذهبت الراحة التي كانت تكتنفه ..
واختفى الجناحين اللذين كان يحلق بهما قبل رؤية هذا الشيطان ..
أخذ يقلب كفية وهو لا يدري ماذا يفعل ..
حصل على الخبز وهو سار وهو شارد حتى أنه لم ينتبه لبوق تلك السيارة التي مر أمامها ولا يراها وظل قائدها يكيل له التقريع ..
عاد الى الشيخ الذي أجلسه بجواره كالعادة ..
وقال له .. (( والآن بماذا كنت تريد إخباري ؟؟ ))
لم يستطع خالد منع دموعه التي انهمرت وهو يشعر بالانهيار ..
وقال للشيخ .. (( كلما أسمعك تقول أنك تطلب الشهادة .. أشعر بأن هذه الدنيا ستختل بدونك .. وكنت أريد أن أخبرك بأني أحبك أكثر من أبي الذي لم أره .. ))
ربت الشيخ على ظهره وقال له .. (( أحبك الله الذي أحببتني فيه .. لو دامت لمخلوق لكان الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .. ولو اختلت بموت أحد لكان هو صلى الله عليه وسلم .. لكل منا دوره يا خالد .. وأنا أيضا أحبك حبا جما .. ))
قال خالد من بين دموعه .. (( أستأذنك يا شيخي الحبيب لن أستطيع اكمال درس اليوم .. أريد الخلوة قليلا .. ))
ايتسم الرجل ابتسامته الوضاءة وأشار لحجرته ..
فقام خالد ودخلها .. وارتمي على وسادته ..
وعلا صوت نشيجه ودموعة قد تفجرت أنهارا بأكثر مما كانت أمام الشيخ ..
يتبع