سمو الامير
12 - 03 - 09, 08:49 AM
الزلزال
قصة بقلم د. أحمد مراد
الحلقة الأخيرة
http://img5.imageshack.us/img5/2853/zelzalol8.jpg
وقف الشيخ نزار على منبره وبصوته الهادئ المعتاد يتحدث عن وجوب الجهاد في سبيل الله ..
قال .. ((عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم قال.. من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ؛ مات على شعبة من النفاق.. ))
بالطبع كل منكم يمصمص شفاه بالموافقة .. ويستبعد نفسه تماما من هذا الحديث متعللا بأنه لا يوجد بيده شيء ولا يمكنه هذا الجهاد ولا حتى مسموح له بذلك ..
ولكن .. نعود لقول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .. عن زيد بن خالد الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال .. (( من جهز غازيا فقد غزا . ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا ))
تتساءلون وأين هذا الغازي في سبيل الله كي نجهزه ..
أقول لكم .. هناك على الحدود الشرقية معنا ..
إنهم إخوانكم المقاومون المجاهدون في غزة ..
إذا مددت يد العون له بالتبرع بالمال أو بالمساعدات العينية فقد جهزت غازيا ..
فهذا المجاهد ترك أهله وماله وعرضه .. وخرج في سبيل الله
عندما تمد أنت يد العون لأهله فقد أغلقت على الشيطان هذا الباب
فقد قال الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ..
إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه ، فقعد له بطريق الإسلام فقال له : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وأباء أبيك ؟ قال : فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول ، قال : فعصاه فهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : هو جهد النفس والمال فتقاتل فتنكح المرأة ويقسم المال ، قال : فعصاه فجاهد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقا على الله أن يدخل الجنة أو رفصته دابته كان حقا على الله أن يدخل الجنة
الراوي: سبرة بن الفاكه المخزومي الأسدي
ومن هنا فأنت قد جهزته بطمأنته على أهله وإغلاق مداخل الشيطان إليه
الآن .. هل منكم من هو مستبعد من الجهاد ويرى بأن الكلام غير موجه له شخصيا ؟
.
انتهت صلاة الجمعة .. وخرج المصلون إلى لجنة جمع التبرعات لغزة في تزاحم غير مسبوق ..
وجلس الداعية نزار عبد الحميد ليقرأ بعض الأوراد التي اعتاد عليها بعد كل صلاة
وإذا بشابين نضري البشرة يتوجهان إليه
وقال أكبرهما .. (( لنا مطلب خاص منك يا سيد نزار .. ))
علا وجه نزار ابتسامه وضاءة وقال لهما .. (( إن كان بإمكاني لن أتأخر عنكما .. ))
فقال الشاب .. (( نريد الإتيان لبيتك اليوم طالبين يد أختيك للزواج.. ))
ضحك نزار وقال.. (( وهل تعرفونهما جيدا ؟ .. أول معلومة عنهما أن سنهما فوق الخامسة والثلاثون .. ))
قال الشاب .. (( تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك .. وحتما هن من ذوات الدين لأنهما أختيك.. ))
ابتسم مزار وقال له .. (( من الأدب مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تذكر سند الحديث.. ))
علت حمرة الخجل وجه الشاب وقال له.. ((معذرة فأنا لا أعرف سنده..))
لم تفارق البسمة وجه الشيخ وقال له .. ((الحديث راوية هو أبو هريرة رضي الله عنه وهو في صحيح البخاري ومسلم..))
ثم استطرد قائلا .. (( سأكون بانتظاركما بإذن الله بعد صلاة العصر .. ))
سلم نزار عليهما وخرج من المسجد وكل من يقابله يسلم عليه في حفاوة بالغة..
وعاد إلى منزله وطرق بابه بهدوء كعادته ..
فتح له ولده ريان.. فحمله وقبله ودخل إلى صالة منزله وأجلسه على قدميه ليأرجحه كما اعتاد .. ونادي على زوجته قائلا لها .. ((هيا يا زينة.. فلتعدي لنا مائدة الطعام للغداء. ولتناد على أختي فأنا أريدهما في أمر خاص..))
أجابته زينة بتلبية طلبه .. وجاءت أختيه إليه .. وبشرهما بمقدم العريسين لهما بعد العصر ..
لم تستطيعا كتمان الفرحة التي اجتاحت جوانبهما.. وقالت إحداهما..
.. (( في الحقيقة يا خالد لقد كنا نخشى بقوة هذه النقلة من العريش إلى ريف الصعيد بمحافظة قنا .. وخاصة بعد تغيير اسمك .. ظننا بأننا قد انتهينا .. ولكننا فوجئنا بأنها حياة جميلة طرقت أبوابنا وكانت مخرجا لنا مما كنا نعانيه .. ))
ربت خالد على ظهر أخته وقال لها .. (( من كان مع الله فلا يذل ولا يشقى .. ))
تناول خالد غدائه برفقة أمه وزوجته وولده وأختيه ..
وقام ليرقد ساعة الظهيرة كما اعتاد وبعدها يذهب للعمل بمتجره ..
ورغما عنه.. عادت به الذاكرة إلى أروع وأقوي ذكريات مرت به..
وأول ما طرق ذهنه.. هي طرقات الشيخ نزار ريان عليه رحمة الله على باب غرفته
وقتها اعتدل خالد في جلسته.. وفوجئ بالشيخ يأتي ليجلس بجواره في جلسته الخاصة التي قام فيها بمداواة جراحة وكل آلامه ليصد عنه الفتور الذي كان يحث الخطى إليه ..
ربت الشيخ على كتفه بحنان كعادته وقال له ..
.. (( ما بك يا خالد .. لقد تغيرت بين عشية وضحاها ولم تعد خالدا الذي عرفته وأحببته .. هناك ما يهمك وبقوة وتكاد الحيرة أن تقتلك .. أشركني معك وثق بأنك ستنال كل راحة ..))
أوطأ خالد برأسه إلى الأرض وهو لا يدري ماذا يقول .. فما يحمله بين جنباته لا يمكن أبدا أن يفضفض به .. ولهذا صمت تماما ..
وإذا بالشيخ يقول له .. (( هل العملية المتعلقة بعلبة معجون الأسنان وتورطك مع الخونة هو ما يؤرقك ؟ ..))
صدم خالد بقوة من هذه العبارة واكتنفته دهشة الدنيا كلها وارتج بعنف ونظر للشيخ برعب .. كيف علم الشيخ بكل هذا ؟..
استطرد الشيخ قائلا .. (( أولا يا خالد قبل أن أقص عليك الأمر.. ثق باني أحبك وأثق بك تماما .. فاسمعني بهدوء . . كما يتفنن العدو في ابتكار وسائل رصد وتتبع .. فنحن أيضا لا نتوقف ونصل بعون الله إلى ما يكشف كل وسائلهم.. فمن أول يوم عدت فيه إلى التاجر وعبر أحد أجهزتنا هذه اكتشف الرجل أن معك مادة مشعة يستخدمها الموساد في تتبع ضحاياه وقصفهم .. وقتها وقف الرجل محتارا .. ترى هل هو المقصود ؟ .. ولكن متجره معلوم لكل الخلق .. فما هي الغاية التي تريدها بهذه المادة .. أبلغ القيادة في حماس بأمرك .. فتم التحري عن حالتك من الرجل الذي عاونك على دخول غزة وعلمنا بأنك شخصا عاديا تم تلقفك وإغوائك أو تهديدك.. ولكن الهدف الذي تسعى لأجله غير معلوم.. فما كان منا إلا أن أخذنا علبة المعجون التي بحوزتك وتم تخزينها في صندوق محاط بالرصاص كي لا يتم رصدها ووضعنا لك علبة أخرى مشابهة وهذا لمعرفة ما هو الهدف من عمليتك .. ويوم إعدام الخائن بالساحة العامة بغزة ظهر عليك الخوف الشديد والتراجع التام عما تنتويه ..
ولأننا يهمنا أكثر أن تكون شخصا صالحا وأن تكسب نفسك ولا تبيعها للشيطان .. قبلنا أن نكون عونا لك على هذا الشيطان .. وساعدك الرجل بكل الوسائل المتاحة لعودتك إلى بلدك والتخلص مما أنت فيه .. ولكن كانت كل الطرق مسدودة .. ويوم محاولة العبور من النفق
علم بأنك ابن لشهيد .. ولأننا نعلم بأن الشجرة الطيبة لا تنبت إلا طيبا.. بشرط أن نتغمدها بالرعاية السليمة .. ومن رؤية الرجل لأسلوبك وطريقتك في المعاملة طوال المدة التي قضيتها معه .. فتيقن الرجل بأنك من معدن خالص وصاف يريد فقط من يجلوه ليظهر نفائسه .. ولكن مطلبك لعملية استشهادية قد أربكنا . .ماذا تريد ؟ .. هل حقا هي نية خالصة بداخلك ؟ .. ولكن هذا صعب ولا يتناسب مع حالك الذي كنت عليه .. إذا أنت تريد استكمال مهمتك.. ولم نستطع أبدا أن نتوصل إلى السبب الذي دفعك للتراجع لأجل إكمال هذه المهمة.. ولم يجد الرجل إلا أن يسابق الشيطان لينتزعك من بين فكيه ولهذا أخبرك بأن الإقامة معي هي للإعداد لتلك العملية.. وترك في رقبتي مهمة شاقة .. ولهذا ولأني أعلم جيدا بأنك مصر على استكمال المهمة مهما كانت المشاق .. تعمدت أن آخذك بالقسوة والقوة واثقا من مثابرتك .. وكما توقعت كان الجدول المكثف لك هو خير ما يناسبك ..
وحينما قررت أن تخبرني بأمرك كانت هذه هي اللحظة الحقيقة التي أرجوها منذ مقدمك ..
ولكنك ذهبت وعدت بوجه غير الذي خرجت به .. وكدت أجن لمعرفة السبب ..
وتفكرت كثيرا في تغيرك هذا .. ووجدت أنه أيضا كي لا نترك للشيطان عليك سبيلا .. يجب أن أجذبك وبقوة ولا يوجد أفضل من المصارحة والمكاشفة الآن ..
وها قد فعلتها .. فهل ستكاشفني بما هو بداخلك كما فعلت أنا ؟؟ ))
ظل خالد صامتا واجما لا يحري جوابا ..
كان يظن بانه هو المتحكم بالأمر وأن المقاليد كلها بيده .. ولكنه اكتشف فجأة بأنه لم يكن سوى دميه يحركها الطرفان .. ولكن مع مكاشفة الشيخ له بكل هذا الود .. وإخباره بكم المساندة له والتي لم يشعر بها .. لم يجد إلا أن يخبره بكل ما يكتنفه من حيرة
فهو لا يريد أن يضحي بالشيخ وأبنائه ولا أمه وأخواته ..
وفي نفس الوقت لا يمكن أن يكمل المهمة ..
وأخبره بكل الشبهات التي ألقاها حسين على مسامعه ..
فما كان من الشيخ إلا أن طمأنه .. وقال له .. (( ثق بأنك في أيد أمينة .. ولن نفعل إلا كل الخير لك باذن الله .. ))
وما دام الأمر غير محدود بمدة .. فأرح رأسك من التفكير حتى تحين اللحظة .. ووقتها نفكر ونرى ما هو الأنسب .. أما الآن فهيا لاستكمال ما بدأته من دروس العلم ..
ووقتها عاد خالد الى سابق عهده مع الشيخ ..
وانتهت التهدئة وبدأت الحرب ..
وأخبره الشيخ بأن أمره بيد كتائب القسام وأنه يجب أن يغادره الآن ..
ودعه خالد بعين باكية لم تفارقها الدموع ..
وهناك ومع أبو عبيدة ..
ومع دراسة ردود أفعال الصهاينة ..
تم وضع الخطة بعناية ..
اعتمدت الخطة على ما فعله الصهاينة بعد أسر أحد جنودهم يوم الخامس من يناير في شرق جباليا .. فقد قصفوا المكان الذي تم أسره فيه وقتلوه مع مرافقيه ..
فهم أهون عليهم أن يقتلوه من أن يكون أسيرا حيا يتم التفاوض بشأنه فيما بعد ..
ولهذا أخذ رجال حماس المادة المشعة وأعطوا لخالد العلبة الفارغة لتسليمها ..
وأتفقوا معه بأن يخبر الصهاينة بأن الجندي يتم نقله بسرعة من موضع لآخر ..
وهم سيتكفلوا بوضع المادة في مواضع متكررة توحي بتنقله فعلا .. وبهذا يصعب عليهم الهجوم لتحريره .. فما يكون بيدهم الا قصفه لقتله والتخلص منه .. وسيكون المبرر وقتها للرأي العام أنه قتل خطئا أثناء الحرب .. أو أن حماس اتخذته كدرع بشري دون إخبارهم بذلك ..
وهذا هو كل المطلوب ..
ولكن خالد طلب رؤية الجندي .. كان يريد أن يثبت لنفسه بأنه كان يمكنه الوصول الى تحقيق العملية كما طلبت منه تماما حتى آخر لحظة .. ولكنه اختار طريق الحق
فمن السهل أن تفتخر بأنك لم تفعل معصية لم تجد اليها سبيلا ..
ولكن الأصعب هو أن تمتنع عنها وهي ماثلة بين يديك ..
وكانت رؤيته لجلعاد ذات فائدة قصوى .. فقد أوحت اليه بفكرة أن يخبرهم بأنه قد دهن المادة المشعة على ساعته وبهذا سترافقه في كل تنقلاته .. وهذا ما حدث ..
وكانت عملية من أبرع العمليات المقاومة أثناء الحرب ..
فقد قامت المجموعات الفدائية بالتسلل الى مراكز تجمع الجنود الصهاينة وآلياتهم لتزرع تلك المادة بتتابع زمني جعل قصفها متتاليا .. ولم ينتبهوا الى الخدعة إلا متأخرا
وبعد أن كانت خسارتهم فادحة .. واعترفوا بأنه كان هناك قصفا خطئا لبعض الجنود ..
ولأن حماس لا تريد كشف أسرار العملية تاركة وقتا أكبر لخالد كي يختفي حتى لا يتم ملاحقته .. فلم يعلنوا عن هذه العملية ولا عن أي من تفاصيلها ..
وهناك عند معبر كرم أبو سالم ..
بعد أن اطمأن خالد على أمه وأختيه .. أخبر الصهاينة بأنه في مكالمة سابقة اتفق مع أمه اذا لم يتصل بها بعد ساعتين من تسلمها الأموال أن تتصل برقم خاص بقادة حماس وتنبئهم بأمر الساعة المشعة .. ووقتها سيكتفي هؤلاء القادة بالتخلص من الساعة وفقط لتفشل العملية .. وهذا لكي يضمن أن يخرج من المعبر بسلام ..
وتم له ما له ما أراد ..
وسلمهم العلبة الفارغة وفكوا عنه الحزام الناسف .. وتم مروره بأمان ..
وذهب الى أمه وأختيه عند خالته المقيمة بالاسكندرية وكانت معهم زينة وأخاها الأكبر.. وعلى عجل تم الزواج بالاسكندرية بعد أن أفهموا أخوها بأنه مهاجر خارج مصر ..
ولجأ خالد الى ريف الصعيد ..
وهناك بدأت حياته الجديدة باسمه الجديد ..
وكان كل همه هو حشد الدعم للمجاهدين في غزة ..
وكان هو أول من تبرع بالملايين العشرة التي نالها من الصهاينة الى غزة .. فقد رفض أن يقبض منها مليما واحدا ثمنا لما فعل .. فهوا لا يريد إلا أجر الآخرة ..
وتذكر خالد شيخه الجليل نزار ريان ببسمته الوضاءة ..
وأخيرا أغمض عينية
وذهب في سبات عميق
تمت بحمد الله
قصة بقلم د. أحمد مراد
الحلقة الأخيرة
http://img5.imageshack.us/img5/2853/zelzalol8.jpg
وقف الشيخ نزار على منبره وبصوته الهادئ المعتاد يتحدث عن وجوب الجهاد في سبيل الله ..
قال .. ((عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم قال.. من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ؛ مات على شعبة من النفاق.. ))
بالطبع كل منكم يمصمص شفاه بالموافقة .. ويستبعد نفسه تماما من هذا الحديث متعللا بأنه لا يوجد بيده شيء ولا يمكنه هذا الجهاد ولا حتى مسموح له بذلك ..
ولكن .. نعود لقول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .. عن زيد بن خالد الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال .. (( من جهز غازيا فقد غزا . ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا ))
تتساءلون وأين هذا الغازي في سبيل الله كي نجهزه ..
أقول لكم .. هناك على الحدود الشرقية معنا ..
إنهم إخوانكم المقاومون المجاهدون في غزة ..
إذا مددت يد العون له بالتبرع بالمال أو بالمساعدات العينية فقد جهزت غازيا ..
فهذا المجاهد ترك أهله وماله وعرضه .. وخرج في سبيل الله
عندما تمد أنت يد العون لأهله فقد أغلقت على الشيطان هذا الباب
فقد قال الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ..
إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه ، فقعد له بطريق الإسلام فقال له : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وأباء أبيك ؟ قال : فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول ، قال : فعصاه فهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : هو جهد النفس والمال فتقاتل فتنكح المرأة ويقسم المال ، قال : فعصاه فجاهد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقا على الله أن يدخل الجنة أو رفصته دابته كان حقا على الله أن يدخل الجنة
الراوي: سبرة بن الفاكه المخزومي الأسدي
ومن هنا فأنت قد جهزته بطمأنته على أهله وإغلاق مداخل الشيطان إليه
الآن .. هل منكم من هو مستبعد من الجهاد ويرى بأن الكلام غير موجه له شخصيا ؟
.
انتهت صلاة الجمعة .. وخرج المصلون إلى لجنة جمع التبرعات لغزة في تزاحم غير مسبوق ..
وجلس الداعية نزار عبد الحميد ليقرأ بعض الأوراد التي اعتاد عليها بعد كل صلاة
وإذا بشابين نضري البشرة يتوجهان إليه
وقال أكبرهما .. (( لنا مطلب خاص منك يا سيد نزار .. ))
علا وجه نزار ابتسامه وضاءة وقال لهما .. (( إن كان بإمكاني لن أتأخر عنكما .. ))
فقال الشاب .. (( نريد الإتيان لبيتك اليوم طالبين يد أختيك للزواج.. ))
ضحك نزار وقال.. (( وهل تعرفونهما جيدا ؟ .. أول معلومة عنهما أن سنهما فوق الخامسة والثلاثون .. ))
قال الشاب .. (( تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك .. وحتما هن من ذوات الدين لأنهما أختيك.. ))
ابتسم مزار وقال له .. (( من الأدب مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تذكر سند الحديث.. ))
علت حمرة الخجل وجه الشاب وقال له.. ((معذرة فأنا لا أعرف سنده..))
لم تفارق البسمة وجه الشيخ وقال له .. ((الحديث راوية هو أبو هريرة رضي الله عنه وهو في صحيح البخاري ومسلم..))
ثم استطرد قائلا .. (( سأكون بانتظاركما بإذن الله بعد صلاة العصر .. ))
سلم نزار عليهما وخرج من المسجد وكل من يقابله يسلم عليه في حفاوة بالغة..
وعاد إلى منزله وطرق بابه بهدوء كعادته ..
فتح له ولده ريان.. فحمله وقبله ودخل إلى صالة منزله وأجلسه على قدميه ليأرجحه كما اعتاد .. ونادي على زوجته قائلا لها .. ((هيا يا زينة.. فلتعدي لنا مائدة الطعام للغداء. ولتناد على أختي فأنا أريدهما في أمر خاص..))
أجابته زينة بتلبية طلبه .. وجاءت أختيه إليه .. وبشرهما بمقدم العريسين لهما بعد العصر ..
لم تستطيعا كتمان الفرحة التي اجتاحت جوانبهما.. وقالت إحداهما..
.. (( في الحقيقة يا خالد لقد كنا نخشى بقوة هذه النقلة من العريش إلى ريف الصعيد بمحافظة قنا .. وخاصة بعد تغيير اسمك .. ظننا بأننا قد انتهينا .. ولكننا فوجئنا بأنها حياة جميلة طرقت أبوابنا وكانت مخرجا لنا مما كنا نعانيه .. ))
ربت خالد على ظهر أخته وقال لها .. (( من كان مع الله فلا يذل ولا يشقى .. ))
تناول خالد غدائه برفقة أمه وزوجته وولده وأختيه ..
وقام ليرقد ساعة الظهيرة كما اعتاد وبعدها يذهب للعمل بمتجره ..
ورغما عنه.. عادت به الذاكرة إلى أروع وأقوي ذكريات مرت به..
وأول ما طرق ذهنه.. هي طرقات الشيخ نزار ريان عليه رحمة الله على باب غرفته
وقتها اعتدل خالد في جلسته.. وفوجئ بالشيخ يأتي ليجلس بجواره في جلسته الخاصة التي قام فيها بمداواة جراحة وكل آلامه ليصد عنه الفتور الذي كان يحث الخطى إليه ..
ربت الشيخ على كتفه بحنان كعادته وقال له ..
.. (( ما بك يا خالد .. لقد تغيرت بين عشية وضحاها ولم تعد خالدا الذي عرفته وأحببته .. هناك ما يهمك وبقوة وتكاد الحيرة أن تقتلك .. أشركني معك وثق بأنك ستنال كل راحة ..))
أوطأ خالد برأسه إلى الأرض وهو لا يدري ماذا يقول .. فما يحمله بين جنباته لا يمكن أبدا أن يفضفض به .. ولهذا صمت تماما ..
وإذا بالشيخ يقول له .. (( هل العملية المتعلقة بعلبة معجون الأسنان وتورطك مع الخونة هو ما يؤرقك ؟ ..))
صدم خالد بقوة من هذه العبارة واكتنفته دهشة الدنيا كلها وارتج بعنف ونظر للشيخ برعب .. كيف علم الشيخ بكل هذا ؟..
استطرد الشيخ قائلا .. (( أولا يا خالد قبل أن أقص عليك الأمر.. ثق باني أحبك وأثق بك تماما .. فاسمعني بهدوء . . كما يتفنن العدو في ابتكار وسائل رصد وتتبع .. فنحن أيضا لا نتوقف ونصل بعون الله إلى ما يكشف كل وسائلهم.. فمن أول يوم عدت فيه إلى التاجر وعبر أحد أجهزتنا هذه اكتشف الرجل أن معك مادة مشعة يستخدمها الموساد في تتبع ضحاياه وقصفهم .. وقتها وقف الرجل محتارا .. ترى هل هو المقصود ؟ .. ولكن متجره معلوم لكل الخلق .. فما هي الغاية التي تريدها بهذه المادة .. أبلغ القيادة في حماس بأمرك .. فتم التحري عن حالتك من الرجل الذي عاونك على دخول غزة وعلمنا بأنك شخصا عاديا تم تلقفك وإغوائك أو تهديدك.. ولكن الهدف الذي تسعى لأجله غير معلوم.. فما كان منا إلا أن أخذنا علبة المعجون التي بحوزتك وتم تخزينها في صندوق محاط بالرصاص كي لا يتم رصدها ووضعنا لك علبة أخرى مشابهة وهذا لمعرفة ما هو الهدف من عمليتك .. ويوم إعدام الخائن بالساحة العامة بغزة ظهر عليك الخوف الشديد والتراجع التام عما تنتويه ..
ولأننا يهمنا أكثر أن تكون شخصا صالحا وأن تكسب نفسك ولا تبيعها للشيطان .. قبلنا أن نكون عونا لك على هذا الشيطان .. وساعدك الرجل بكل الوسائل المتاحة لعودتك إلى بلدك والتخلص مما أنت فيه .. ولكن كانت كل الطرق مسدودة .. ويوم محاولة العبور من النفق
علم بأنك ابن لشهيد .. ولأننا نعلم بأن الشجرة الطيبة لا تنبت إلا طيبا.. بشرط أن نتغمدها بالرعاية السليمة .. ومن رؤية الرجل لأسلوبك وطريقتك في المعاملة طوال المدة التي قضيتها معه .. فتيقن الرجل بأنك من معدن خالص وصاف يريد فقط من يجلوه ليظهر نفائسه .. ولكن مطلبك لعملية استشهادية قد أربكنا . .ماذا تريد ؟ .. هل حقا هي نية خالصة بداخلك ؟ .. ولكن هذا صعب ولا يتناسب مع حالك الذي كنت عليه .. إذا أنت تريد استكمال مهمتك.. ولم نستطع أبدا أن نتوصل إلى السبب الذي دفعك للتراجع لأجل إكمال هذه المهمة.. ولم يجد الرجل إلا أن يسابق الشيطان لينتزعك من بين فكيه ولهذا أخبرك بأن الإقامة معي هي للإعداد لتلك العملية.. وترك في رقبتي مهمة شاقة .. ولهذا ولأني أعلم جيدا بأنك مصر على استكمال المهمة مهما كانت المشاق .. تعمدت أن آخذك بالقسوة والقوة واثقا من مثابرتك .. وكما توقعت كان الجدول المكثف لك هو خير ما يناسبك ..
وحينما قررت أن تخبرني بأمرك كانت هذه هي اللحظة الحقيقة التي أرجوها منذ مقدمك ..
ولكنك ذهبت وعدت بوجه غير الذي خرجت به .. وكدت أجن لمعرفة السبب ..
وتفكرت كثيرا في تغيرك هذا .. ووجدت أنه أيضا كي لا نترك للشيطان عليك سبيلا .. يجب أن أجذبك وبقوة ولا يوجد أفضل من المصارحة والمكاشفة الآن ..
وها قد فعلتها .. فهل ستكاشفني بما هو بداخلك كما فعلت أنا ؟؟ ))
ظل خالد صامتا واجما لا يحري جوابا ..
كان يظن بانه هو المتحكم بالأمر وأن المقاليد كلها بيده .. ولكنه اكتشف فجأة بأنه لم يكن سوى دميه يحركها الطرفان .. ولكن مع مكاشفة الشيخ له بكل هذا الود .. وإخباره بكم المساندة له والتي لم يشعر بها .. لم يجد إلا أن يخبره بكل ما يكتنفه من حيرة
فهو لا يريد أن يضحي بالشيخ وأبنائه ولا أمه وأخواته ..
وفي نفس الوقت لا يمكن أن يكمل المهمة ..
وأخبره بكل الشبهات التي ألقاها حسين على مسامعه ..
فما كان من الشيخ إلا أن طمأنه .. وقال له .. (( ثق بأنك في أيد أمينة .. ولن نفعل إلا كل الخير لك باذن الله .. ))
وما دام الأمر غير محدود بمدة .. فأرح رأسك من التفكير حتى تحين اللحظة .. ووقتها نفكر ونرى ما هو الأنسب .. أما الآن فهيا لاستكمال ما بدأته من دروس العلم ..
ووقتها عاد خالد الى سابق عهده مع الشيخ ..
وانتهت التهدئة وبدأت الحرب ..
وأخبره الشيخ بأن أمره بيد كتائب القسام وأنه يجب أن يغادره الآن ..
ودعه خالد بعين باكية لم تفارقها الدموع ..
وهناك ومع أبو عبيدة ..
ومع دراسة ردود أفعال الصهاينة ..
تم وضع الخطة بعناية ..
اعتمدت الخطة على ما فعله الصهاينة بعد أسر أحد جنودهم يوم الخامس من يناير في شرق جباليا .. فقد قصفوا المكان الذي تم أسره فيه وقتلوه مع مرافقيه ..
فهم أهون عليهم أن يقتلوه من أن يكون أسيرا حيا يتم التفاوض بشأنه فيما بعد ..
ولهذا أخذ رجال حماس المادة المشعة وأعطوا لخالد العلبة الفارغة لتسليمها ..
وأتفقوا معه بأن يخبر الصهاينة بأن الجندي يتم نقله بسرعة من موضع لآخر ..
وهم سيتكفلوا بوضع المادة في مواضع متكررة توحي بتنقله فعلا .. وبهذا يصعب عليهم الهجوم لتحريره .. فما يكون بيدهم الا قصفه لقتله والتخلص منه .. وسيكون المبرر وقتها للرأي العام أنه قتل خطئا أثناء الحرب .. أو أن حماس اتخذته كدرع بشري دون إخبارهم بذلك ..
وهذا هو كل المطلوب ..
ولكن خالد طلب رؤية الجندي .. كان يريد أن يثبت لنفسه بأنه كان يمكنه الوصول الى تحقيق العملية كما طلبت منه تماما حتى آخر لحظة .. ولكنه اختار طريق الحق
فمن السهل أن تفتخر بأنك لم تفعل معصية لم تجد اليها سبيلا ..
ولكن الأصعب هو أن تمتنع عنها وهي ماثلة بين يديك ..
وكانت رؤيته لجلعاد ذات فائدة قصوى .. فقد أوحت اليه بفكرة أن يخبرهم بأنه قد دهن المادة المشعة على ساعته وبهذا سترافقه في كل تنقلاته .. وهذا ما حدث ..
وكانت عملية من أبرع العمليات المقاومة أثناء الحرب ..
فقد قامت المجموعات الفدائية بالتسلل الى مراكز تجمع الجنود الصهاينة وآلياتهم لتزرع تلك المادة بتتابع زمني جعل قصفها متتاليا .. ولم ينتبهوا الى الخدعة إلا متأخرا
وبعد أن كانت خسارتهم فادحة .. واعترفوا بأنه كان هناك قصفا خطئا لبعض الجنود ..
ولأن حماس لا تريد كشف أسرار العملية تاركة وقتا أكبر لخالد كي يختفي حتى لا يتم ملاحقته .. فلم يعلنوا عن هذه العملية ولا عن أي من تفاصيلها ..
وهناك عند معبر كرم أبو سالم ..
بعد أن اطمأن خالد على أمه وأختيه .. أخبر الصهاينة بأنه في مكالمة سابقة اتفق مع أمه اذا لم يتصل بها بعد ساعتين من تسلمها الأموال أن تتصل برقم خاص بقادة حماس وتنبئهم بأمر الساعة المشعة .. ووقتها سيكتفي هؤلاء القادة بالتخلص من الساعة وفقط لتفشل العملية .. وهذا لكي يضمن أن يخرج من المعبر بسلام ..
وتم له ما له ما أراد ..
وسلمهم العلبة الفارغة وفكوا عنه الحزام الناسف .. وتم مروره بأمان ..
وذهب الى أمه وأختيه عند خالته المقيمة بالاسكندرية وكانت معهم زينة وأخاها الأكبر.. وعلى عجل تم الزواج بالاسكندرية بعد أن أفهموا أخوها بأنه مهاجر خارج مصر ..
ولجأ خالد الى ريف الصعيد ..
وهناك بدأت حياته الجديدة باسمه الجديد ..
وكان كل همه هو حشد الدعم للمجاهدين في غزة ..
وكان هو أول من تبرع بالملايين العشرة التي نالها من الصهاينة الى غزة .. فقد رفض أن يقبض منها مليما واحدا ثمنا لما فعل .. فهوا لا يريد إلا أجر الآخرة ..
وتذكر خالد شيخه الجليل نزار ريان ببسمته الوضاءة ..
وأخيرا أغمض عينية
وذهب في سبات عميق
تمت بحمد الله