قصة وقصيدة.. بلقيس الراوي زوجة الشاعر نزار قباني هو:نزار توفيق قباني الديانة /مسلم (سني) تاريخ ومكان الميلاد 1923م دمشقوالملف مرة أخرى mp3
حياته مع بلقيس
يقول نزار: بلقيس هي كنز عظيم عثرت عليه مصادفه, حيث كنت أقدم أمسية شعرية في بغداد عام 1962م ويضيف, قصتنا ككل قصص الحب في المدن العربية جوبهت بـ (لا) كبيرة جداَ.. كان الاعتراض الأقوى على تاريخي الشعري, وكانت مجموعاتي الغزلية وثائق أشهرها أهل بلقيس ضدي والقبائل العربية كما نعرف لا تزوج بناتها من أي شاعر تغزل بإحدى نساء القبيلة, ولما يئست من إقناع شيخ القبيلة بعدالة قضيتي.. ركبت الطائرة وسافرت إلى أسبانيا لأعمل دبلوماسياَ فيها لمدة ثلاث سنوات, وخلال هذه السنوات الطويلة كنت أكتب لبلقيس, وكانت تكتب لي.. رغم أن بريد القبيلة كان مراقباَ... وظل وضع نزار على هذا الحال حتى جاء عام 1969م, فيقول نزار
(في هذا العام ذهبت إلى بغداد بدعوة رسمية للاشتراك في مهرجان المربد.. وهناك ألقيت قصيدة من أجمل قصائدي كانت ((بلقيس الراوي)) بطلتها الرئيسية:
مرحباَ يا عراق, جئت أغنيك
وبعض من الغناء بكاء
أكل الحزن من حشاشة قلبي
والبقايا تقاسمتها النساء
بعد هذه القصيدة التي هزت بغداد في تلك الفترة, تعاطفت الدولة والشعب العراقي مع قضية نزار وتولى القادة البعثيون خطبة بلقيس من أبيها, وكان على رأس الوفد الحزبي الذي ذهب إلى بيت الراوي في (حي الاعظمية) لطلب يد بلقيس, وزير الشباب الشاعر الأستاذ شفيق الكمالي ووكيل وزارة الخارجية آنئذ الشاعر الأستاذ شاذل طاقة. وهكذا ذهب نزار إلى بغداد عام 1969م ليلقي قصيدة شعر.. وعاد وهو يحمل (نخلة عراقية)
ومع بلقيس شعر نزار أنه يعيش في حضن أمه, فقد أدركت بلقيس أن نزاراَ مثل كثير من الرجال يحتاج إلى امرأة تكون في المقام الأول (أما) ثم بعد ذلك زوجة فظلت تعامله كطفل وتعوضه عن بعده أمه فقد كان كثير التنقل ولذا نجد نزاراَ يكتب لها قصيدة بمناسبة مرور عشر سنوات على زواجهما، يقول فيها:
أشهد أن لا امرأة
أتقنت اللعبة إلا أنت
واحتملت حماقتي
عشرة أعوام كما احتملت
وقلمت أظافري..
ورتبت دفاتري
وأدخلتني روضة الأطفال
إلا أنت
.. .. ..
أشهد أن لا امرأة
تعاملت معي كطفل عمره شهران
إلا أنت
وقدمت لي لبن العصفور
والأزهار والألعاب
إلا أنت
.. .. ..
أشهد أن لا امرأة
قد جعلت طفولتي
تمتد خمسين عاماَ.. إلا أنت
...
كان عمر نزار قباني عند كتابة هذه القصيدة (ست وخمسون عاما) وقد ظل نزار يعيش كطفل له (أمان) فائزة وبلقيس، حتى كانت أول أكبر صدمة في حياته حين توفت والدته عام 1976م, وقد اهتز وجدان الشاعر, فقد وصل ارتباطه بها إلى أقصى درجاته, فهي التي كتب لها قصيدة ((خمس رسائل إلى أمي)) عندما كان يسافر بسب عمله في الحقل الدبلوماسي، وكان يصف حاله بدونها:
.... لم أعثر
على امرأة تمشط شعري الأشقر
وتحمل في حقيبتها إليّ عرائس السكر
وتكسوني إذا أعرى
وتنشلني إذا أعثر
أيا أمي أنا الولد الذي أبحر
ولا زالت بخاطره
تعيش عروسة السكر
فكيف... فكيف... يا أمي
غدوت أباَ... ولم أكبر
تلك الأبيات من ديوان الرسم بالكلمات الذي صدر عام 1966م
يقول نزار:
(أيقظتني بلقيس في زرقة الفجر..
وغنت من العراق مقاما..
أرسلت شعرها كنهر ديالى..
أرأيتم شعراً يقول كلاما..
كان في صوتها الرصافة والكرخ..
وشمس.. وحنطة.. وخزامى..
حملت لي جرائد اليوم والشاي..
وفاضت أمومة وابتساما..)
ويقول عنها نثراً:
(كانت بلقيس تمثل كوناً حضارياً بحد ذاته.. امرأة من الصعب أن تتكرر ولا أبالغ إذا قلت لن تتكرر ولا أبالغ إذا قلت إنها هي التي أعطتني لا أنا الذي أعطيتها)
ولم تمر سوى أعوام قليلة وتحديداَ في 15/12/1981م حتى يصدم نزار صدمته الثانية, وكانت في وفاة زوجته وأمه الثانية بلقيس الراوي, ماتت التي كانت تمثل له الكثير في حادث مأساوي تحت أنقاض السفارة العراقية في بيروت على إثر انفجار هائل بالقنابل وقع بها ويصف نزار قباني هذه اللحظة قائلا ((كنت في مكتبي بشارع الحمراء حين سمعت صوت انفجار زلزلني من الوريد إلى الوريد ولا أدري كيف نطقت ساعتها: يا ساتر يا رب.. بعدها جاء من ينعي إلي الخبر.. السفارة العراقية نسفوها.. قلت بتلقائية بلقيس راحت.. شظايا الكلمات مازالت داخل جسدي.. أحسست أن بلقيس سوف تحتجب عن الحياة إلى الأبد, وتتركني في بيروت ومن حولي بقاياها, كانت بلقيس واحة حياتي وملاذي وهويتي وأقلامي .
ويطلق الشاعر صرخة حزن مدوية, في قصيدة تعد من أطول القصائد المرثية التي نظمها نزار قباني, وهي قصيدة بلقيس ونذكر لكم منها:
بلقيس يا وجعي
ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل
هل يا ترى...
من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل؟
.. .. ..
قتلوك يا بلقيس..
أية امة عربية..
تلك التي تغتال أصوات البلابل
.. .. ..
بلقيس..
أيتها الشهيدة.. والقصيدة..
والمطهرة النقية..
سبأ تفتش عن مليكتها
فردي للجماهير التحية..
أقصى درجات الحزن والأسى وصل إليها نزار بعد موت بلقيس حتى إننا نجده يصب غضبه ولعناته على الأمة العربية, ولكن يجب أن نعرف نحن القراء أن غضب نزار على الأمة العربية والعروبة في كثير من قصائده إنما هو انتقاد للواقع الذي وصل إليه حال العروبة الآن, فهو لا ينتقد الفكرة في حد ذاتها, بل ينتقد التطبيق الذي جاء خالياَ من المضمون.
قالوا عن نزار قباني كثير من الناس ومنهم :
قال فاروق جويدة: نزار قباني من الشعراء الذين دفعوا ثمن مواقفهم, وليس من الذين يبحثون عن أكياس الذهب.
وقال الدكتور غازي القصيبي: عجبت للكلمة الخضراء تزرعها.. فترقص البيد في البحر من الشجر تموت؟ كيف؟ وللأشعار مملكة وأنت فيها مليك البدو والحضر.
وقال د. سعاد الصباح: يا صديقي الشاعر لا تقلق على قصائدك فالفن العظيم لا يموت وأروع ما في تاريخ الأدب القصيدة النزارية.
نزار قباني يكتب عن ياسر عرفات...
أبو عمار يعثر على ابنته ...
من روائع نزار قباني / والكلمات تعرف الغضب
أيار 1982
لم أكن اعرف أن لياسر عرفات ابنة اسمها بلقيس .. إلا في وقت متأخر ..
فليس في حياة القائد الفلسطيني ما يشير إلى وجود ابنة له .. بل ليس في تاريخه ما يشير إلى انه تزوج ذات يوم ...
صحيح أنهم ينادون ياسر عرفات ( أبو عمار ) ولكن هذه التسمية ليست أكثر من كنية يكنون بها القائد الكبير، الذي لم يجد أجمل من الثورة الفلسطينية زوجة يعقد قرانه عليها ....
إذن فمن أين جاءت بلقيس ؟
وكيف تناديه (يا أبي)
ويناديها ( يا ابنتي)
وليس في أرشيف ياسر عرفات، أو في سيرته الذاتية أو في سجلات الأحوال المدنية ما يثبت أن الرجل كان متزوجا ... والذي يجعل القضية أكثر إثارة... ويعطيها بعدها الدرامي... إن بلقيس هذه .. هي زوجتي ..
فكيف لم اكتشف أنني صاهرت أبا عمار وتزوجت ابنته.. وأنجبت منها زينب وعمر.. إلا يوم قتلت بلقيس في 15/12/1981 تحت أنقاض السفارة العراقية في بيروت .. في هذا اليوم بالذات.. ظهر أبو عمار فجأة في منطقة الخراب ..
كانت أمطار الحزن تغطي وجهه.. وكانت عيناه تشتعلان كجمرتين.. وكان يصرخ بصوت متهدج :
" أين أنت يا بلقيس " ؟
أين أنت يا ابنتي ؟
" ردي على أبيك الوردة .. "
" يا وردة الثورة الفلسطينية " وبقيت الوردة تحت الأنقاض خمسة عشرة يوما.. وكان أبو عمار يذهب كل ليلة، لينكش بين الحجارة والحكام ونثارات العيون المحترقة والأهداب المحترقة.. عن ابنته التي زوجني إياها دون أن يدري.. وتزوجتها أنا دون أن ادري أن ياسر عرفات كان أباها...
***
خلال أربعين يوما كان ياسر عرفات يمد جناحيه الكبيرين علينا.. ويقعد ساعات إلى جانب أم بلقيس.. يلاطفها، ويداريها، ويواسيها، ويكفكف دمعها ...
ولا أنسى أبداً نورانية وجهه.. وحنان تعابيره.. وهو يقدم لها لقمة الطعام بأصابعه.. وكوب الماء بيده.. محاولا أن يبدد غمامة الحزن عن عينيها .. وينتزع الابتسامة من شفتيها بأي ثمن ...
***
في تلك اللحظات المضرجة بالدم والدمع.. المضروبة بالأعاصير والأنواء ...
النازفة كجرح مفتوح
في تلك اللحظات عرفت الوجه الآخر لياسر عرفات
كلكم يعرف ياسر عرفات مناضلا.. وثائرا... وقائدا تاريخيا للثورة الفلسطينية
ولكنكم لا تعرفون ياسر عرفات حين يتحول إلى غمامة ماء... وجدول حنان.. ومنارة رحمة ...
ياسر عرفات عندما يخلع كوفيته.. وعقاله.. وجزمته.. ويترك غرفة العمليات .. والتقارير.. والخرائط.. وسيارة الرانج روفر.. وأخبار عصر الانحطاط العربي... ليمارس طفولته كأنقى ما تكون الطفولة.. ويمارس أبوته كأعظم ما تكون الأبوة..
***
ماذا يربط بلقيس بأبي عمار ؟
بعيدا عن تعلق أي امرأة بشخصية البطل .. ورموز البطولة .. فأن ثمة سراَ كان يربط بين زوجتي، والقائد الفلسطيني الكبير ....
سراَ لم يتضح إلا بعدما تحولت بلقيس إلى غمامة بنفسجية... وكوم رماد ..
والحقيقة أن حماس ياسر عرفات لبلقيس، وإصراره على تشييعها بكل المراسم التي يشيع بها أبطال الثورة الفلسطينية ككمال ناصر، وغسان كنفاني، وأبي حسن سلامة، وكمال عدوان، وأبي يوسف النجار.. تلقي أضواء على السر كبير، أما جنازة بلقيس، فقد حولها ياسر عرفات، إلى مهرجان عزة وكرامة وعنفوان.. فمشت خلف نعشها كل رموز الثورة المسلحة من دروع، ومصفحات، وصواريخ ومضادات.. ومقاتلين.. كأنما قرأ أبو عمار أفكار بلقيس، فأراد أن يطمئنها، أن الثورة الفلسطينية لا تزال قوية، وشابة، وواثقة من نفسها
وعلى الطريق من الجامع إلى مقبرة الشهداء، كان أبو عمار يشد على يدي بقوة.. وكانت بلقيس تختال بثوب عرسها الأبيض... فقد كان من أحلامها الكبرى أن تتزوج على هذه الطريقة
***
والغريب، أن بلقيس، رغم عشرتنا الطويلة الجميلة التي استمرت اثني عشر عاما، ورغم أنني كنت اعرف شؤونها الكبيرة والصغيرة، فقد بقيت محتفظة بسر واحد لم تعلنه هي، وإنما أعلنه الموت ..
عندما رجعنا من الجنازة إلى مكتب أبي عمار، بدأ القائد الفلسطيني يتكلم عن بلقيس الراوي... وبدأ اللغز ينكشف .
قال :في آذار 1968، وكنا خارجين من معركة ( الكرامة) ، جاءتني إلى منطقة الأغوار في الأردن فتاة عراقية فارعة القامة، تجر وراءها ضفيرتين ذهبيتين ..
وطلبت مع زميلاتها في ثانوية الأعظمية للبنات في بغداد، تدريبهن على حمل السلاح، وقبولهن مقاتلات في صفوف الثورة الفلسطينية .
وبالفعل أعطينا الفتيات العراقيات، ومن بينهن بلقيس، بنادق، وأخذناهن إلى ساحة الرمي حيث تعلمن إطلاق الرصاص ، وأساليب القتال .
وكانت الفتيات سعيدات بملامسة السلاح، وكنا سعداء بأن تنضم إلى الثورة الفلسطينية هذه الزهرات من ارض العراق .
... ودارت الأيام - يتابع أبو عمار كلامه- وكتب لنا القدر أن نواصل نضالنا في لبنان، كما كتب لبلقيس أن تعمل في سفارة العراق في بيروت .
وذات يوم، كنت مدعوا للعشاء لدى احد الأصدقاء في بيروت، فإذا بالفتاة ذات القامة الفارعة، والضفيرتين الذهبيتين.. التي جاءتني متطوعة إلى الأغوار قبل عشر سنوات تدخل... وتدخل معها ذكريات نصرنا الجميل في ( الكرامة )... وتصافحني بحماسة رفيق السلاح ...
والتفت إليّ أبو عمار، والدمعة عالقة بأهدابه، وقال :
" هل تعرف يا نزار أن الفتاة التي تزوجتها أنت، فيما بعد، هي رفيقة السلاح التي جاءتنا إلى الأغوار في آذار 1968، وأكلنا معها خبزاً.. وزيتونا.. وبيضا مسلوقاً " ؟
" لذلك يا أخي يا نزار، نحن نشيعها كمناضلة فلسطينية.. وندفنها إلى جانب الشهداء الفلسطينيين، ونلفها بالعلمين العراقي والفلسطيني، تكريما للأرض التي أطلعتها، وللثورة التي نذرت نفسها لها ... "
" إن بلقيس الراوي لم تكن زوجتك بقدر ما كانت ابنة الثورة الفلسطينية ... "
***
هكذا تكلم ابو عمار.. وفي اليوم الثاني ذهبت إلى مقبرة الشهداء لأزور حبيبتي فوجدت على رخامة قبرها الكتابة التالية :
الشهيدة بلقيس الراوي
استشهدت في 15/12/1981

رد مع اقتباس




